نقد إعجاز يصّعد للسماء
مقالة نقدية تناقش دعوى الإعجاز العلمي في آية ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
دعوى الإعجاز:
تُستعمل آية:
﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]
في خطاب الإعجاز العلمي بوصفها إشارة إلى نقص الأكسجين وصعوبة التنفس عند الارتفاع في طبقات الجو العليا. غير أن تفسير السلف للآية لا يتجه إلى هذا المعنى، بل إلى معنى آخر متعلق باستحالة قبول الكافر للإيمان ومشقته عليه.
الإعتراض على معنى الآية
تفسير السلف للآية:
قال محمد بن جرير الطبري في تفسير الآية:
وهذا مثل من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه، مثل امتناعه من الصُّعُود إلى السماء وعجزه عنه، لأن ذلك ليس في وسعه. [1]
وقال عطاء الخراساني ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء، [2]
و قال إبن عباس في تفسيره للآية:
وقال الحكم بن أبان: عن عكرمة عن ابن عباس ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه، وقال الأوزاعي ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقًا أن يكون مسلمًا. [2]
وقال مقاتل بن سليمان:
حَرَجًا شاكًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ يَقُولُ هُوَ بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عَلَيْه [3]
عن محمد بن السائب الكلبي:
من طريق مَعْمَر- في قوله: كأنما يصعد في السماء، يقول: مَثَله كمَثَل الذي لا يستطيع أن يَصعَد في السماء [4]
دلالة التشبيه في السياق
السياق يتحدث عن الهداية والضلال وانغلاق القلب عن قبول الإيمان. ولذلك جاء التشبيه بالصعود إلى السماء باعتباره مثالًا على الأمر المتعذر الذي لا يدخل تحت الوسع المعتاد.
وهذا الاستعمال معروف في العربية، إذ يُضرب الصعود إلى السماء مثلًا لما يشق ويتعذر.
وعليه فالمعنى: أن قبول الإيمان صار على الكافر متعذرًا شديد المشقة، كما أن الصعود إلى السماء متعذر على الإنسان.
إمكان معرفة ظاهرة ضيق التنفس قبل الإسلام
حتى لو سلّمنا جدلًا بأن الآية تتحدث عن ضيق التنفس الناتج عن الارتفاعات العالية، فإن هذا لا يثبت أي إعجاز علمي، لأن هذه الظاهرة كانت ممكنة الملاحظة والمعرفة قبل الإسلام بزمن طويل.
1- الظاهرة يمكن ملاحظتها طبيعيًا في المرتفعات
تبدأ أعراض نقص الأكسجين وصعوبة التنفس عادة من ارتفاع يقارب 8000 قدم (حوالي 2500 م):
"Altitude sickness generally occurs at altitudes of 8,000 feet and above." [5]
وفي شبه الجزيرة العربية نفسها توجد جبال تتجاوز 3000 متر، ما يجعل اختبار هذه الظاهرة ممكنًا ضمن البيئة الجغرافية العربية القديمة.
قمة السودة: 3,015 م (9,892 قدم *) سلسلة جبال السروات قرب مدينة أبها
قمة فرواع: 3,004 م (9,856 قدم*) سلسلة جبال السروات قرب مدينة الحرجة
قمة نطفاء: 2,965 م (9,728 قدم*) سلسلة جبال السروات قرب مدينة الحرجة
قمة وراب: 2,948 م (9,672 قدم*) سلسلة جبال السروات قرب مدينة الحرجة
قمة المجاز: 2,902 م (9,521 قدم) سلسلة جبال السروات قرب مدينة سراة عبيدة
و عشرات القمم الأخرى التي تفوق 8000 قدم [6]
الإنسان القديم وصل فعلًا إلى هذه الارتفاعات
ليست المرتفعات العالية أمرًا لم يبلغه القدماء، بل توجد مواقع أثرية موغلة في القدم على ارتفاعات تتجاوز 10000 قدم (أكثر من 3000 م):
"found 19 prehistoric high-altitude sites, most above 10,000 feet" [7]
ثم إن الإنسان القديم بلغ بالفعل ارتفاعات شاهقة تكفي لملاحظة آثار نقص الأكسجين وصعوبة التنفس؛ فقد عبر القائد القرطاجي Hannibal جبال الألب بجيشه في القرن الثالث قبل الميلاد، وتشير دراسات تاريخية وأثرية حديثة إلى مروره بممرات جبلية تقارب 3000 متر فوق سطح البحر، وهي ارتفاعات كافية لظهور أعراض الارتفاعات العالية.
"University geochemists and their international team of colleagues, led by Professor Bill Mahaney (York University, Toronto), have finally provided solid evidence for the most likely transit route that took Hannibal's forces across the Alps via the Col de Traversette pass (~3000 m)." [8]
المعرفة بهذه الظاهرة أقدم من الإسلام
الأهم من ذلك أن ضيق التنفس في المرتفعات ذُكر صراحة في نصوص تسبق الإسلام بقرون، مما ينفي كونه اكتشافًا علميًا متأخرًا.
فقد أشار القديس Augustine of Hippo في القرن الخامس الميلادي إلى صعوبة التنفس في الأماكن المرتفعة، كما ورد وصف مشابه في نصوص صينية قديمة قبل الميلاد.
وقد جمع المؤرخ الطبي John B. West هذه الشهادات التاريخية في كتابه: [9]
مقطع من كتابات القديس Augustine of Hippo (354–430م)، يشير فيه إلى ندرة أو رقة الهواء (tenuitas aeris) على جبل أوليمبوس:
كما أنهم، بسبب رقة الهواء هناك، وعدم قدرتهم على التنفس جيدًا، لم يكونوا يستطيعون البقاء أحياء إلا إذا وضعوا إسفنجات مبللة على أنوفهم. [10]
أخيرًا: التفسير الإعجازي يصطدم بالفيزياء نفسها
المشكلة لا تقف عند مخالفة تفسير السلف والسياق اللغوي، بل إن التفسير الإعجازي نفسه خطأ علميًا.
فالمعروف في الفيزياء أن الضغط الجوي ينخفض كلما ارتفع الإنسان عن سطح البحر، وطبقًا لقانون بويل فإن الغاز يتمدد عندما ينخفض الضغط:
P1V1=P2V2
أي أن العلاقة بين الضغط والحجم علاقة عكسية, انخفاض الضغط يؤدي إلى زيادة الحجم لا إلى انكماشه.
ولهذا تتمدد الغازات داخل الجسم في المرتفعات بسبب انخفاض الضغط الجوي، لا العكس. والمراجع الطبية نفسها تنص على ذلك:
"As altitude increases, ambient pressure decreases, and therefore, by Boyle's Law, volume expansion occurs in enclosed spaces. This effect can be demonstrated by observing the expansion of a sealed bag of potato chips on an ascending commercial flight." [11]
اي : كلما ازداد الارتفاع انخفض الضغط المحيط، ولذلك يحدث تمدد في حجم الغازات داخل الفراغات المغلقة وفق قانون بويل. مثلا تمدد كيس رقائق البطاطس المُغلق أثناء رحلة طيران
فإذا كان المقصود من الآية وصفًا فيزيائيًا حرفيًا لما يحدث عند الصعود، فالنتيجة تكون معاكسة للتفسير الإعجازي الشائع؛ لأن الصدر لا "ينضغط" أو يضيق بذاته بسبب الارتفاع حسب تعبير الآية، بل إن الهواء يتمدد داخل الصدر مع انخفاض الضغط مما يؤدي لتمدد الصدر لا ضيقه.
الخلاصة
وعليه، فحتى على فرض صحة التفسير الإعجازي، فإن الظاهرة نفسها لم تكن مجهولة للبشر حتى يقال إن الآية تضمنت سبقًا علميًا خارقًا، إذ إن صعوبة التنفس في المرتفعات كانت ممكنة الملاحظة ومعروفة قبل الإسلام بقرون.
لكن الإشكال الأهم أن هذا أصلًا ليس هو المعنى الذي فهمه السلف من الآية، فقد فسّروها على معنى التعذر والمشقة واستحالة قبول الإيمان على الكافر، لا على ظاهرة فسيولوجية تتعلق بنقص الأكسجين أو الضغط الجوي.
ثم إن التفسير الإعجازي يصطدم بالمبدأ الفيزيائي نفسه؛ لأن الارتفاع لا يؤدي إلى “انضغاط” الصدر بسبب زيادة الضغط، بل العكس: الضغط الجوي ينخفض كلما ارتفع الإنسان، ووفق قانون بويل فإن انخفاض الضغط يؤدي إلى تمدد الغازات لا انكماشها.
ولهذا فإن اتخاذ الآية بوصفها تقريرًا علميًا دقيقًا لما يحدث في المرتفعات لا ينسجم لا مع تفسير السلف، ولا مع السياق اللغوي، ولا حتى مع الوصف الفيزيائي المعروف لخصائص الغازات عند الارتفاع.
References (المراجع)
[1] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث – ابن جرير الطبري (١٢ / ١٠٩) / هنا
[2] تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ – ابن كثير (٦ / ١٧١) / هنا
[3] تفسير مقاتل بن سليمان – مقاتل (١ / ٥٨٨) / هنا
[4] موسوعة التفسير المأثور – مجموعة من المؤلفين (٨ / ٦٠١) / هنا
[5] Healthline – Altitude Sickness.
[6] ويكيبيديا، «قائمة جبال السعودية»، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، تاريخ الاطلاع: 16 أغسطس 2026، هنا.
[7] Rebecca Hein, “Alpine Lives of Ancient People: High-mountain Archaeology in Wyoming,” WyoHistory.org, April 28, 2018، هنا.
[8] Dublin City University, “Where Did Hannibal Cross the Alps?”, DCU News, 11 April 2016، هنا.
[9] John B. West, High Life: A History of High-Altitude Physiology and Medicine (New York: Oxford University Press, 1998), p. 5، هنا
[10] مقطع من كتابات القديس Augustine of Hippo (354–430م)، يشير فيه إلى ندرة أو رقة الهواء (tenuitas aeris) على جبل أوليمبوس.
