هل كان القمر شمسًا قديمًا؟ الإجهاز على إعجاز ﴿فمحونا آية الليل﴾
كيف يمكن اعتبار «محو آية الليل» إعجازًا علميًا، بينما الفكرة نفسها ظهرت قبل الإسلام في أكثر من 12 رواية وأساطير متقاربة المعنى لدى حضارات وشعوب متباعدة؟ بحث يتتبع جذور الفكرة تاريخيًا، ويفحص الآية لغويًا وتفسيريًا، ويقارن بينها وبين الموروثات السابقة لتقييم دعوى الإعجاز العلمي.
المحور الأول: دعوى الإعجاز العلمي والسياق القرآني
عرض الآية والدعوى:
1- القرآن يقول : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ — الإسراء، الآية 12.
2- اية الليل هي القمر . كان شمساً ثم محاه الله و هذا حسب بعض الروايات التفسيرية :
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿وجعلنا الليل والنهار ءايتين﴾، قال: كان القمر يُضيء كما تُضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار
عن سعيد المقبري: أنّ عبد الله بن سلام سأل النبي - ﷺ - عن السواد الذي في القمر، فقال: «كانا شمسين». فقال: «قال الله: ﴿وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل﴾؛ فالسَّواد الذي رأيت مِن المَحْو»
— موسوعة التفسير المأثور – مجموعة من المؤلفين (١٣ / ٧٢)
3- هذه المعلومة لم تكن معروفة والقران اول من ذكرها
4- بما أنها لم تكن معروفة والقران هو من ذكرها اذا القران وحي من الله
التفنيد اللغوي والقرآني:
ننتقل هنا إلى المرحلة الثانية، وهي التحقق اللغوي للنص القرآني، إذ يقوم هذا الطرح الإعجازي على افتراض أن المقصود بـ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ هو القمر، وهو افتراض لا ينسجم مع الاستعمال القرآني نفسه. فالآية تقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 12].
والقرآن يفرّق بوضوح بين الليل والنهار من جهة، والشمس والقمر من جهة أخرى، ولا يجعلهما شيئاً واحداً. قال القرآن: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: 37].
فالآية تعدّد أربع آيات مستقلة: الليل، والنهار، والشمس، والقمر. ولو كان المراد بـ«آية الليل» هو القمر، لانتفى هذا التفريق الواضح بينهما. ويتكرر هذا الفصل في مواضع أخرى، كقول القرآن: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]،
وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 6]،
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67].
فالسياق القرآني يثبت أن الليل هو آية مستقلة، والنهار آية مستقلة، كما أن الشمس والقمر آيتان مستقلتان كذلك. ويؤيد هذا الاستعمال ما ورد في الحديث الصحيح:
«إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله».
وعليه، فإن تفسير «آية الليل» بالقمر لا يستند إلى دلالة النص القرآني، بل يخالف التفريق الذي يقرره القرآن نفسه بين الليل والقمر.
و يدعم هذا الفهم تفاسير عدة للعلماء المسلمين أبزها :
تفسير الآلوسي :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة أي محونا الآية التي هي اللّيل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو وإلى ذلك ذهب صاحب الكشاف.
— تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية – الألوسي، شهاب الدين (٨ / ٢٦)
قال ابن جزي في التسهيل :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ فيه وجهان: أحدهما أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك: مسجد الجامع أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار ومحو آية الليل على هذا كونه مظلما....
— تفسير ابن جزي = التسهيل لعلوم التنزيل – ابن جزي الكلبي (١ / ٤٤٢)
تفسير الرّازي :
أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَتَيْنِ نَفْسَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُمَا دَلِيلَيْنِ لِلْخَلْقِ عَلَى مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا....
ثم قال تعالى: فمحونا آية الليل وعلى هذا القول: تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة، ونظيره قولنا: نفس الشيء وذاته، فكذلك آية الليل هي نفس الليل. ويقال أيضا: دخلت بلاد خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان، فكذلك هاهنا.
— تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير – الفخر الرازي (٢٠ / ٣٠٦)
أثر الروايات الإسرائيلية في تفسير الآية
أما استدلال بعض المفسرين على أن المقصود بـ﴿آية الليل﴾ هو القمر، فليس مبنياً على الدلالة اللغوية المباشرة للنص القرآني، بقدر ما هو متأثر بالروايات الإسرائيلية التي دخلت كتب التفسير مبكراً. ومن المعروف أن كثيراً من المفسرين كانوا يقدّمون الروايات المنقولة على ظاهر النص وسياقه اللغوي، حتى في الحالات التي تكون فيها هذه الروايات ضعيفة أو ذات أصول غير إسلامية.
وتظهر هذه الظاهرة في مواضع عديدة من كتب التفسير. فمثلاً في تفسير قول القرآن: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: 53].
وردت تفسيرات بعيدة عن الدلالة الظاهرة للآية نتيجة الاعتماد على المرويات. وكذلك الحال في تفسير :﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].
حيث نُقلت روايات تُفسّر «النون» بأنه حوت عظيم تحت الأرض، مع وجود أسانيد متصلة إلى ابن عباس في بعض طرقها، رغم أن هذا التفسير لا ينبع من ظاهر النص نفسه، بل من تصورات أسطورية انتقلت عبر الإسرائيليات.
حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان -هو الثوري-حدثنا سليمان -هو الأعمش-عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر. فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة. ثم خلق «النون» ورفع بخار الماء، ففُتِقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض
— تفسير ابن كثير - ت السلامة – ابن كثير (٨ / ١٨٤)

ومن أبرز الشخصيات التي ارتبطت بنقل هذا النوع من الأخبار كعب الأحبار، إضافة إلى غيره من الأحبار الذين دخلت أخبارهم إلى بعض كتب التفسير والتاريخ.
المحور الثاني : الجذور اليهودية لفكرة نقصان نور القمر
ويبدو أن ربط «آية الليل» بالقمر متأثر أيضاً بخلفية يهودية أقدم تتحدث عن نقصان نور القمر بعد أن كان مساوياً للشمس. ففي سفر التكوين جاء:
«فعمل الله النورين العظيمين: النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل، والنجوم» (تكوين 1:16)
شرح التلمود البابلي :
يشير الحاخام شمعون بن بازي تناقضًا بين آيتين. مكتوب: "وعمل الله النورين العظيمين" (سفر التكوين 1:16)، ومكتوب أيضًا في الآية نفسها: "النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل"، مما يشير إلى أن أحدهما فقط كان عظيمًا. ويوضح الحاخام شمعون بن بازي: عندما خلق الله الشمس والقمر أول مرة، كانا متساويين في الضياء. ثم قال القمر أمام القدوس المبارك: يا سيد العالم، هل يمكن لملكين أن يخدما بمكان تاج واحد؟ يجب أن يكون أحدنا خاضعًا للآخر. لذلك قال الله له، أي للقمر: إذا كان الأمر كذلك، فاذهب وواضع نفسك " أي قلل من نفسك ". فقال أمامه: يا سيد العالم، بما أنني قلت ملاحظة صحيحة أمامك، فهل يجب أن أقلل من شأني؟ فقال الله له: تعويضًا لكِ، اذهب واحكم في النهار مع الشمس وفي الليل أيضًا. قال له ما عظمة التألق بجانب الشمس؟ وما نفع شمعة في منتصف النهار؟ "وقال له الله: اذهب، فليحسب شعب اليهود معك الأيام والسنين، وهذه ستكون عظمتك"
وهذه الرواية واردة في التلمود البابلي، ما بين القرنين الثالث والخامس الميلادي، وهي تعكس تصوراً أسطورياً قريباً من الفكرة التي انتقلت لاحقاً إلى بعض التفاسير الإسلامية عبر الروايات الإسرائيلية.
بل إن هذا التصور يتطابق بصورة لافتة مع الفهم الذي بُني عليه تفسير الآية؛ إذ تُفهم الآية على أن الله أنقص نور القمر وجعل آية النهار مبصرة لتحقيق غاية تتعلق بالحساب والزمن: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.
ويظهر المعنى ذاته في تفسير الحاخام شمعون بن بازي، حيث يذكر أن الشمس والقمر خُلِقا أول الأمر متساويين في النور، ثم أُنقص نور القمر بعد ذلك، وعُوِّض عن ذلك بأن جُعل مرتبطاً بحساب الأيام والسنين عند بني إسرائيل. وهذا التشابه في البنية والمعنى يعزز فرضية تأثر كاتب القرآن بالموروثات والإسرائيليات اليهودية السابقة.
المحور الثالث : تكرار البنية الأسطورية في الحضارات القديمة
وسنوضح هنا أن فكرة نقصان نور القمر لم تكن خاصة بالتفسير الإسلامي أو اليهودي، بل تظهر بصيغ متعددة في عدد من الحضارات والأساطير القديمة، ضمن نموذج أسطوري متكرر يقوم على تصور أن القمر كان في الأصل مماثلاً للشمس في السطوع، ثم فقد جزءاً من نوره نتيجة حادثة أو عقوبة ما.
2- اسطورة شعوب الازتيك

مختصر القصة:
كان الشمس والقمر متساويين في السطوع
ثم تم ضرب القمر بأرنب مما جعله يخفت
3- اسطورة جنوب أفريقيا، شعب سان

الترجمة :
«تروي هذه الأسطورة زمنًا كانت فيه شمسان تشرقان في السماء،»
«وقُطِّعت إحدى الشمسين إلى أجزاء، فتحولت تلك الأجزاء إلى القمر والنجوم.»
مختصر القصة:
كان هناك شمسين في السماء قديما!
ثم تحولت احدى الشمسين الى قمر.!
4- اساطير شعوب تايوان (أتايال)

الترجمة :
«كان هناك في الماضي شمسان في السماء.»
«لكن الشمس المصابة أصبحت شاحبة بدلًا من أن تكون ساطعة، وبقيت كذلك منذ ذلك الحين.»
«وما نُسميه اليوم “القمر” هو في الحقيقة الشمس التي أصابها أسلافنا.»
مختصر القصة:
كان هناك شمسين قديماً
تم ضرب شمس منهما فاصبحت باهتة وغير ساطعة وظلت كذلك منذ ذلك الحين
وهي ما نسميه الآن قمراً
5- اسطورة شعب البونون

الترجمة :
«كانت الشمسـان تجلبان أشدَّ درجات الحرارة.»
«أطلق النار على عين الشمس.»
«وأخبرهم أنها ستتحول قريبًا إلى قمر.»
مختصر القصة:
تحكي قصةً رمزية اختصارها أنه كان هناك شمسين وتم ضرب أحد الشمسين وتحولت الى قمر...
6- اسطورة شرق افريقيا شعب لويا

مختصر القصة:
كان القمر أكثر سطوعاً واشراقاً من الشمس وحدث صراع بينهما وسقط القمر في الوحل مما أدى الى خفوت بريقه.
7- اسطورة شمال افريقيا
مختصر القصة:
تحكي الاسطورة قصة رمزية اختصارها ان القمر كان يسطع كالشمس ولكن الشمس ضربته بالرماد فأصبح مجرد وهج أبيض.
8- اسطورة شعب النابالوي-إيبالوي

لديهم ثلاث حكايات
مختصر القصة:
- فوفقًا للحكاية الأولى، كانت الشمس والقمر في الماضي متساويين في الضياء. وكان كل منهما يضيء الأرض بالتناوب، كما يضيء العالم السفلي بالتناوب أيضًا . وفي أحد الأيام، غضب كابونيان فألقى الرماد في وجه القمر. ومنذ ذلك الحين وُجد الليل والنهار.
- أما الحكاية الثانية، فتحتفظ كذلك بفكرة التساوي في السطوع. لكن فيها يسخر القمر من عزوبة الشمس، فتغضب الشمس وتقذف رمادًا مشتعلًا في أحد وجهي القمر. فاحترق ذلك الوجه واسودّ، ولذلك لم يعد إلا وجه واحد من القمر قادرًا على الإشعاع. وحتى هذا الوجه لم يعد يضيء كضوء الشمس بسبب أثر الرماد؛ ولهذا لا يسطع القمر إلا ليلًا.
- ووفقًا للحكاية الثالثة، كان القمر في الأزمنة الغابرة أشد سطوعًا من الشمس، وكان الناس ينظمون أعمالهم ونومهم وفقًا لذلك الوضع. لكن الشمس غارت من شدة لمعان القمر، فاحتالت عليه بحيلة أدت إلى أن يُصاب وجهه بغصن شجرة. ومنذ ذلك الحين فقد القمر بريقه، ولم يعد ساطعًا كما كان.
9- اسطورة شعب الإسنِغ في أقصى شمال المقاطعة الجبلية

مختصر القصة:
تتناول هذه الأسطورة تفسير سطوع الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار. وتروي أن الشمس والقمر دخلا في نزاع، فقررا الاحتكام إلى القتال. فقذفت الشمسُ القمرَ بشعلةٍ ملتهبة، فكانت الندوب التي تظهر على وجهه. وردَّ القمر بإلقاء مكنسة على الشمس، ومن هنا جاءت أشعتها المؤذية للعيون.
كما تذكر رواية مختصرة نقلها ويلسون عناصرَ أخرى من القصة، مثل خفوت ضوء القمر وظهور الأثر أو الندبة على وجهه.
10- 11- 12 — أسطورة شعوب اللاكهير والخاسي والسيما ناغا

- اسطورة شعب اللاكهير
مختصر القصة:
تشويه وجه القمر أو إظلامه : في أسطورة شعب اللاكهير، تقذف أرملة غاضبة بقايا وعاء الجعة في وجه القمر. وقبل ذلك كان القمر ساطعًا وحارًا مثل الشمس.
- أسطورة شعب الخاسي
مختصر القصة:
أراد القمر أن يتزوج أخته الشمس : ألقت الشمس رمادًا حارًا في وجهه. ومنذ ذلك الحين صار ضوء القمر باهتًا
- اسطورة شعب السيما ناغا
مختصر القصة:
تذكر أن رجلًا قذف الشمس بروث البقر، فتحولت إلى القمر. وفي رواية أخرى من آسام يُلقى الرماد بدلًا من ذلك. والنتيجة واحدة في جميع الأحوال: يتحول الجرم الأشد حرارة إلى الجرم الأبرد.
ومعظم الأساطير التي ذكرناها منقولة عن كتاب رودولف رحمان، وهو باحث وأكاديمي متخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية ودراسة الشعوب والأساطير والمعتقدات الشعبية، وحاصل على درجة الدكتوراه.
المحور الرابع: تفسير تكرار النموذج الأسطوري بين الحضارات القديمة
يُصنَّف هذا النوع من الروايات ضمن ما يُعرف بـ«الأساطير المشتركة»، وهي أنماط أسطورية تتكرر بين شعوب متباعدة زمنياً وجغرافياً نتيجة تشابه طريقة تفسير الإنسان القديم للظواهر الطبيعية. فالعقل البشري عندما يتعامل مع مدخلات متقاربة، كثيراً ما ينتج تصورات متشابهة، حتى مع غياب أي اتصال مباشر بين الحضارات.
ويمكن ملاحظة ذلك في عدد كبير من المعتقدات القديمة. ففكرة وجود إله أو كائن ميتافيزيقي يتحكم في الرعد والبرق ظهرت في حضارات متعددة حول العالم، مع اختلاف الأسماء والتفاصيل، لكن مع بقاء البنية الأساسية للفكرة نفسها: كائن علوي فوق السحاب مسؤول عن الظواهر السماوية العنيفة.
والأمر نفسه ينطبق على أسطورة نقصان نور القمر. فالإنسان القديم كان يلاحظ شمساً شديدة الإضاءة، وقمراً أقل سطوعاً يحمل بقعاً داكنة على سطحه، فنتج عن هذه المدخلات تصورات أسطورية متقاربة تفسر القمر على أنه جرم كان مضيئاً في الأصل ثم فقد جزءاً من نوره لاحقاً.
ولذلك فإن وجود هذه الفكرة في حضارات متعددة لا يُعد دليلاً بحد ذاته على الاقتباس المباشر، بل قد يندرج ضمن ظاهرة التشابه الأسطوري الناتج عن وحدة المخيال البشري وآليات تفسيره للكون.
أما التفسير الإعجازي الإسلامي محل النقاش، فالتشابه فيه لا يقتصر على الفكرة العامة فقط، بل يصل إلى تفاصيل التفسير نفسها، مما يرجح فرضية أن مصدره المباشر هو الموروث التلمودي اليهودي.
بحث وكتابة MAX