سبأ وعبادة الشمس: هل أخبر القرآن بسرّ تاريخي مجهول؟
يناقش هذا المقال دعوى الإعجاز التاريخي في قول القرآن عن قوم سبأ إنهم كانوا يسجدون للشمس، بالعودة إلى النقوش السبئية والمصادر التاريخية القديمة، لبيان ما إذا كانت هذه المعلومة اكتشافًا غيبيًا أم معرفة تاريخية متداولة قبل الإسلام.
أولاً: تقرير الدليل : مملكة سبأ وعبادة الشمس
كانت مملكة سبأ في اليمن تعبد الإله المعروف باسم المقة. وكان الرأي السائد بين الباحثين لفترة طويلة أن المقة إله القمر، وهو التصور الذي ظل متداولًا في الأوساط الأكاديمية زمناً.
لكن مع الدراسات الحديثة وتحليل النقوش السبئية، ظهر اتجاه بين بعض الباحثين يربط ألمقة بالشمس بدل القمر. وبناءً على ذلك قيل إن السبئيين كانوا يعبدون الشمس لا القمر.
ويُستشهد هنا بقول القرآن:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
فيُقال إن القرآن ذكر ذلك بدقة قبل أكثر من 1400 سنة.
ومن هنا يُطرح السؤال:
كيف عرف محمد أن قوم ملكة سبأ كانوا يسجدون للشمس؟
قبل الدخول في أصل الدعوى

قبل مناقشة دعوى الإعجاز نفسها، لا بد من تصحيح نقطة أساسية: لم تكن ديانة سبأ قائمة على عبادة الشمس وحدها، بل كانت ديانة وثنية متعددة الآلهة، تضم عددًا كبيرًا من المعبودات.
صحيح أن ألمقة كان يُعد الإله القومي الأبرز لدى السبئيين، لكنه لم يكن الإله الوحيد في سبأ. كما أن الجدل بين الباحثين لا يدور حول ما إذا كان السبئيون عبدوا الشمس أم لا، لأن عبادة الشمس في سبأ واليمن القديم ثابتة ومعروفة تاريخياً، وإنما يدور الخلاف تحديداً حول هوية الإله ألمقة نفسه: هل ارتبط بالقمر أم بالشمس؟
إلى جانب ألمقة، عرفت سبأ آلهة شمسية أخرى، من أبرزها:
- ذات حِمْيَم
- ذات بَعْدان
وهاتان من المعبودات الشمسية المعروفة في اليمن القديم، وكانت عبادتهما منتشرة في مناطق مختلفة، ومنها سبأ.
كما عبد السبئيون آلهة أخرى كثيرة، منها:
- عثتر: إله كوكب الزهرة، وكان من أبرز آلهة جنوب الجزيرة العربية، وله عشرات المعابد في مملكة سبأ. المصدر
- تألب ريام: أحد آلهة القمر. المصدر
- هَوْبَس: معبود قمري آخر. المصدر
- وَدّ: من الآلهة المعروفة المرتبطة بالقمر كذلك. المصدر الأول - المصدر الثاني
لذلك فالمسألة ليست أن الباحثين اكتشفوا حديثاً أن سبأ كانت تعبد الشمس بعد أن كانوا يظنون خلاف ذلك؛ فهذه حقيقة معروفة منذ زمن. إنما وقع الخلاف فقط في تفسير شخصية ألمقة ووظيفته الدينية داخل المجمع الإلهي السبئي، لا في أصل وجود عبادة الشمس لدى السبئيين.
الإله القومي «ألمقة» واستمرار عبادته في سبأ
كان الرأي الشائع قديماً بين الباحثين أن ألمقة إله قمري. أمّا اليوم، فقد أصبح الاتجاه الغالب لدى عدد من المختصين يميل إلى ربطه بالشمس، مع التنبيه إلى أن المسألة ليست محل إجماع قاطع، وما يزال الجدل قائماً، بل إن بعض الباحثين لا يحسم نسبته لا إلى القمر ولا إلى الشمس بشكل نهائي.
لكن السؤال الأهم هنا:
متى انتهت عبادة ألمقة في مملكة سبأ؟
تشير الأدلة الأثرية إلى أن عبادته استمرت حتى القرن الرابع الميلادي.
يقع معبد سبئي مخصص للإله ألمقه، ويمتد تاريخ استخدام المعبد من القرن الثامن قبل الميلاد كحد أقصى إلى نهاية القرن الرابع الميلادي
الإله المُكرَّم في هذا المعبد هو الإله السبئي الرئيسي، ألماقه، منذ المراحل المبكرة (أي القرن الثامن قبل الميلاد) وحتى آخر فترة استيطان (القرن الرابع الميلادي).
Ancient Arabia Dictionary, “Mahram Bilqis
وبناءً على ذلك، فإن عبادة ألمقة في سبأ استمرت إلى حدود سنة 400 ميلادية تقريباً، أي قبل الإسلام بقرنين فقط تقريباً.
النقض المباشر للدعوى
هذه الدعوى من أضعف ما يُطرح في باب الإعجاز التاريخي. وهي أشبه تماماً بأن يقول محمد إن قريشاً كانت تعبد الأصنام، ثم يأتي باحث معاصر فيعثر على نقش أو شاهد أثري يثبت عبادة الأصنام في مكة، فيُعلن أن هذا إعجاز تاريخي خارق. مع أن الأمر لا يتجاوز وصف واقع ديني معروف في بيئته
أولاً: اشتراك محمد والسبئيين في البيئة العربية نفسها
حتى لو سلّمنا جدلاً بأن ألمقة كان إلهاً شمسياً خالصاً، فأين وجه الإعجاز في ذلك؟
محمد والسبئيون عرب، وينتمون إلى المجال الجغرافي نفسه: الجزيرة العربية. ومن الطبيعي أن تكون أخبار العبادات والمعتقدات بين شعوب هذا الإقليم متداولة ومعلومة، أو على الأقل قابلة للانتقال والمعرفة.
ثم إن عبادة ألمقة لم تكن من بقايا تاريخ مندثر سحيق انقطعت أخباره بالكامل، بل استمرت حتى القرن الرابع الميلادي. وهذا يعني أن الفاصل الزمني بينها وبين ظهور الإسلام لم يكن بعيداً إلى درجة تُمحى معها أخبارها من الذاكرة العربية.
ثانياً: النقوش كُتبت بخط معروف ومفهوم في اليمن
النقوش التي توثق هذه العبادات كُتبت بـ خط المسند، وهو الخط الذي كان معروفاً في اليمن، وظل مفهوماً ومقروءاً بين أهله حتى قرون متأخرة.
وبناءً على ذلك، لم تكن تلك النقوش أسراراً مدفونة لا سبيل إلى معرفتها، بل كانت نصوصاً قائمة يمكن لأهل اليمن قراءتها والاطلاع عليها. فإذا كان أمر عبادة الشمس مثبتاً في نقوش يمكن فهمها داخل البيئة اليمنية نفسها، فأين الإعجاز في الإشارة إليه؟
ثالثاً: سبأ لم تكن معزولة عن محيط محمد
لم يكن السبئيون شعباً منقطعاً عن العرب أو مجهولاً بالنسبة لمحمد ومجتمعه، بل كان بينهم تواصل بشري وديني وتجاري مباشر.
وتذكر المصادر الإسلامية نفسها وجود جماعة من أهل سبأ أسلموا في عهد محمد. جاء في أسد الغابة في معرفة الصحابة :
وممن أسلم عَلَى عهد رَسُول اللَّه من أهل سبأ: باذان، وسعد بْن بالويه، وعبد الرَّحْمَن بْن النعمان بْن بزرج، ووكبود
أسد الغابة في معرفة الصحابة - ت الرفاعي – عز الدين ابن الأثير (٣ / ٥١٥)
وهذا وحده كافٍ لإثبات وجود تواصل مباشر.
وفوق ذلك، كانت طرق التجارة بين جنوب الجزيرة وشمالها نشطة وممتدة، وهي بطبيعتها تنقل الأخبار والعادات والمعتقدات والتقاليد بين الناس. فكيف يُجعل خبر كهذا مستحيلاً على المعرفة؟
رابعاً: الذاكرة العربية نفسها حفظت خبر عبادة الشمس
التراث العربي قبل الإسلام نفسه ينقل إشارات واضحة إلى هذه العبادة.
فقد ورد في كتاب شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم أن سبأ الأكبر لُقّب بـ عبد شمس، وأنه سُمّي بذلك لأنه عبد الشمس :
وعبد شمس: من أسماء العرب، وأول من سمي بهذا الاسم سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي ﵇ (١)، لأنه أول من عبد الشمس، وسمِّي سبأ لأنه أول من سبا من العرب، قال فيه بعض أولاده :
وَرِثْنا المُلْكَ من جدٍّ فجدٍّ … وراثة حمير من عبد شمس
شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم – نشوان الحميري (٦ / ٣٥٣٤)
وهنا تبرز أهمية اسم عبد شمس نفسه؛ فهو شاهد لغوي وثقافي على حضور عبادة الشمس في الذاكرة العربية القديمة، لا في النقوش وحدها.
فإذا كانت الأخبار العربية، وأسماء الأشخاص، والروايات النَّسَبية، والشعر القديم، كلّها تحمل آثار هذا التقليد الديني، فما وجه الاستغراب في أن يَرِد ذكره في القرآن؟ وأين موضع الإعجاز التاريخي في ذلك؟
خامساً: ذكر عبادة الشمس في مصادر غير عربية سابقة للإسلام
ولا يقتصر خبر ارتباط سبأ بعبادة الشمس على المصادر العربية أو النقوش اليمنية وحدها، بل نجده أيضاً في مصادر غير عربية، وبعضها سابق للإسلام بقرون.
- نص فيلوستورغيوس (Philostorgius)
وهو مؤرخ مسيحي من القرنين الرابع والخامس الميلاديين. وقد ورد في تاريخه عند حديثه عن سبأ المدينة المنسوبة إليها ملكة سبأ التي زارت سليمان أن أهلها:
«يقدّمون القرابين للشمس والقمر، ولآلهة البلاد الأصلية».
Philostorgius, Ecclesiastical History
وهذا نص صريح يربط سبأ بعبادة الشمس والقمر معاً قبل الإسلام بقرون.
- التارغوم الثاني لسفر أستير
ويرجّح الباحثون تدوينه بين القرنين السابع والثامن الميلاديين، مع اعتماد واضح على تقاليد شفوية أقدم منه بكثير.
وفيه أن الهدهد التقى بملكة سبأ عند خروجها لتحية الشمس، وأنها رأت السماء قد أظلمت من كثرة الطيور التي أرسلها سليمان، ثم وجدت الرسالة المربوطة بجناح الهدهد.
التقى الهدهد بملكة سبأ في الصباح، عندما خرجت لتحية الشمس، فدهشت لرؤية السماء مُظلمة بكثرة الطيور التي أرسلها سليمان. رأت الملكة الرسالة المربوطة بجناحي الهدهد
Colloquy of the Queen of Sheba.
وهذا شاهد آخر يربط ملكة سبأ نفسها بعبادة الشمس في تقليد ديني وأدبي خارج الإطار العربي والإسلامي.
وبذلك فإن نسبة عبادة الشمس إلى سبأ لم تكن خبراً مجهولاً انفرد به القرآن، بل كانت فكرة معروفة ومتداولة في أكثر من تقليد تاريخي وديني، وتظهر في نصوص متعددة سبقت الإسلام أو استقلت عنه.
كتابات ماكس - Max's Writings
مقالات ذات صلة
الإجهاز على اعجاز نار الحجاز
دراسات حديث الذبابة تحت المجهر: تحليل منهجي ونقد علمي
التفسير الإعجازي لآية يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ : مخالفة للسلف والعلم معًا