كيف علم الرسول باعتقادات الفراعنة ؟ سقوط أسطورة «بكت السماء»
هل تكشف آية ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ معرفةً بنصوص الأهرام المصرية المندثرة؟ ولماذا يُربط نص جنائزي يخص الملك Pepi I بفرعون موسى رغم الفارق الزمني الهائل بينهما؟ قراءة تتبع أصل دعوى «بكت السماء» وتفككها تاريخيًا ولغويًا.
المحور الأول : دعوى الاعجاز
يقول القرآن
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ
القران ينفي ان السماء تبكي من اجل فرعون واثبت علم الاثار حديثاً ان اعتقاد الفراعنة عند الموت ان السماء تبكي عليهم:
ستبكي السماء عليك، وتهتز الأرض من أجلك، وسيصرخ المرسى من أجلك...
James P. Allen, The Ancient Egyptian Pyramid Texts (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2005), p. 187
تقوم دعوى الإعجاز هنا على القول إن القرآن أشار إلى اعتقاد فرعوني لم يكن من الممكن معرفته في زمن النبي، لأن اللغة الهيروغليفية كانت قد اندثرت آنذاك، ولم تُفك رموزها إلا بعد اكتشاف حجر رشيد في العصر الحديث. وبناءً على ذلك، يرى أصحاب هذا الطرح أن ورود تعبير ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ بالتوازي مع بعض النصوص الجنائزية المصرية يُعد دليلًا على أن هذه المعلومة لم يكن يمكن الوصول إليها بشريًا، ومن ثم فلا بد أن مصدرها وحي إلهي.
المحور الثاني : تحليل السياق القرآني للآيات
يبدأ السياق القرآني في سورة الدخان بقوله :
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: 17].
ويلاحظ أن الخطاب هنا موجَّه ابتداءً إلى قوم فرعون لا إلى فرعون بوصفه الفردي، وهو النسق نفسه الذي يتكرر في القصص القرآني عند الحديث عن أقوام الأنبياء، كقوم نوح وقوم لوط وغيرهم. كما أن الآيات اللاحقة تستمر في الحديث بصيغة الجمع دون أن تجعل فرعون محور الخطاب المباشر في هذا الموضع.
وعند الوصول إلى قوله :
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 29]
يظهر أن الضمير جاء بصيغة الجمع: ﴿عليهم﴾، لا بصيغة المفرد: “عليه”، مما يدل ـ بحسب ظاهر السياق ـ على أن المقصود هم قوم فرعون وجنده الذين أهلكوا بالغرق، لا فرعون وحده بمعزل عن قومه.
ويؤكد هذا الفهم أن الآيات التالية تنتقل بعد ذلك إلى تخصيص فرعون بالذكر، إذ يقول القرآن:
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 30-31].
فالسياق وفق هذا الترتيب, يبدأ بالحديث عن قوم فرعون وجنده، ثم ينتقل لاحقًا إلى فرعون نفسه على وجه الخصوص. وعليه، فإن ظاهر الآيات يفيد أن الذين نُفي عنهم “بكاء السماء والأرض” هم جماعة فرعون المغرقون، لا شخص فرعون وحده.
ويؤيد هذا الفهمَ للسياق ما ورد عن عدد من الصحابة في تفسير الآية. فقد روي على علي ابن أبي طالب بسند حسن أن رجلا سأله هل تبكي السماء
فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من قبلك، إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي رضي الله عنه { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ }
— تفسير ابن كثير - ط العلمية – ابن كثير (٧ / ٢٣٣)
ويلاحظ هنا أن الأثر عبّر بلفظ «آل فرعون»، أي جماعته وقومه، لا بفرعون وحده بوصفه الفردي.
كما روى ابن عباس بإسناد صحيح , تفسيرًا قريبًا من ذلك، إذ بيّن أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن لفقد موضع عبادته وعمله الصالح، ثم قال:
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام عن زائدة عن منصور عن منهال عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال رضي الله عنه: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء، منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن، فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، ففقده، بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله عز وجل فيها، بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحو هذا.
— تفسير ابن كثير - ت السلامة – ابن كثير (٧ / ٢٥٤)
وهذا النص صريح أيضًا في التعبير بلفظ «قوم فرعون» لا «فرعون» وحده، مما ينسجم مع ظاهر السياق القرآني الذي يتحدث عن الجماعة المغرقة من قومه وجنده.
وإذا رجعنا إلى بداية السياق القرآني بصورة أوسع، نجد قوله:
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكْبُرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: 16-17].
فالضمير في قوله: ﴿قبلهم﴾ يعود إلى كفار قريش المخاطَبين في السورة، حيث يُضرَب لهم المثل بقوم فرعون تحذيرًا من المصير نفسه. ومن ثم فإن المقارنة في أصل السياق هي بين جماعة وجماعة: بين كفار قريش وقوم فرعون، لا بين قريش وشخص فرعون وحده. وهذا يعزز أن الحديث في الآيات منصبٌّ أساسًا على قوم فرعون وجنده.
وعليه، فإن تفسير الصحابة للآية يتوافق مع القراءة السياقية للنص القرآني، والتي تفيد أن نفي بكاء السماء والأرض متعلق بقوم فرعون وآله وجنده، لا بشخص فرعون منفصلًا عن قومه.
المحور الثالث : هل تتطابق الآية مع نصوص الأهرام المصرية؟
وبناءً على ما سبق، فإن أقصى ما يمكن أن يُقال تنزّلًا مع القراءة التي تُدخل فرعون ضمن الخطاب هو أن الآية تشمل فرعون وقومه معًا، أي أن مدلولها يصبح:
حين هلك فرعون وقومه، لم تبكِ عليهم السماء والأرض.
وعند هذه النقطة يمكن الانتقال إلى فحص دعوى الربط بين الآية القرآنية والنصوص الجنائزية المصرية فحصًا لغويًا وتاريخيًا.
- أولًا : لا يوجد تطابق حقيقي بين النص القرآني والنص الجنائزي المصري من حيث أصل الصورة البلاغية نفسها. فالقرآن يقول: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾، أي إنه ينسب فعل “البكاء” إلى السماء والأرض معًا. أما النص الجنائزي المصري فيقول:
“The sky will weep for you and the earth shake for you.”
أي: «السماء ستبكي عليك، والأرض سترتجف من أجلك».
ومن ثم فالنص المصري لا يتحدث عن “بكاء الأرض” أصلًا، بل عن ارتجافها أو اهتزازها. وهذا اختلاف جوهري في بنية الوصف، لا مجرد فرق ثانوي في الألفاظ. لذلك فإن دعوى التطابق بين النصين تقوم على انتقاء عنصر جزئي مشترك، مع تجاهل الاختلاف الأساسي في بقية الصورة البلاغية.
- ثانيًا : لا يتعلق النص الجنائزي بفرعون الخروج المفترض الذي يطرحه كثير من أنصار الإعجاز العلمي باعتباره Ramesses II بل يتحدث تحديدًا عن الملك Pepi I، الذي يُقدَّم في النصوص الجنائزية بوصفه ملكًا ذا منزلة إلهية ضمن العقيدة المصرية القديمة. ولهذا تأتي العبارات الواردة في سياق تمجيد شعائري خاص بالملك، من قبيل:
لقد جاء بيبي إليك يا أبيه؛ لقد جاء إليك يا جب. لقد نزل على جسرك أيها الآلهة. دعه يجلس على العرش العظيم
فبكاء السماء وارتجاف الأرض هنا يمثلان امتيازًا كونيًا ممنوحًا للملك وحده داخل الأدب الجنائزي الملكي. أما النص القرآني، فعلى العكس تمامًا، يتحدث عن نفي هذا الأمر عن فرعون وقومه وجنده جميعًا. وبالتالي فإن النصين يختلفان من حيث الموضوع والسياق والوظيفة الدينية.
ثالثًا : تفصل بين Pepi I وRamesses II الذي يُطرح عادة بوصفه فرعون موسى عند الإعجازيين. قرابة ألف سنة كاملة، كما أن كلًا منهما ينتمي إلى عصر مختلف عن الآخر سياسيًا ودينيًا. فكيف يمكن ربط نص جنائزي خاص ببيبي بفرعون الخروج دون وجود أي صلة تاريخية مباشرة بينهما؟
والأهم من ذلك أن هذه الصورة المجازية نفسها لم تتحول إلى نمط جنائزي ثابت في النصوص المصرية، بل وردت بصورة محدودة مع Pepi I وPepi II، ثم لا نجد لها حضورًا مماثلًا في النصوص الجنائزية خلال القرون الطويلة الفاصلة بين بيبي ورمسيس. ولذلك فإن القول بأن “بكاء السماء” كان معتقدًا أو عادة شائعة عند الفراعنة لا يستند إلى دليل نصي واضح، بل هو تعميم مبني على حالات محدودة جدًا.
بل إن النصوص الجنائزية المصرية نفسها لم تكن تعتمد صيغة موحدة من قبيل “بكاء السماء”، حتى داخل الأسرة الحاكمة التي ينتمي إليها Pepi I وPepi II، بل استخدمت صورًا كونية ورمزية متعددة ومختلفة.
ففي نصوص الملك (Unis / Unas) يرِد:
The sky has grown cloudy, the stars obscured; the (sky’s) arcs have quaked, the horizons’ bones shaken
لقد تلونت السماء بالغيوم، واختفت النجوم؛ واهتزت أقواس السماء، وتزعزعت عظام الأفق
وفي نصوص الملكة Neith نجد:
The sky will tremble because of you, the earth will shake because of you, the Imperishable Stars will come to you in obeisance..
سترتجف السماء بسببك، وستهتز الأرض بسببك، وستأتي إليك النجم الخالدة ساجدة
أما نصوص الملك Teti فتستخدم صورًا مختلفة تمامًا، مثل انقلاب حركة المدن والنهر من أجل الملك:
Teti has descended as the jackal... Pe will go upstream for you, Nekhen will go downstream for you
ستسير مدينة "په" عكس مجرى النهر من أجلك، وستنحدر مدينة "نخن" مع المجرى من أجلك
وعليه، فإن نصوص الأهرام لا تقدم تقليدًا ثابتًا أو عقيدة موحدة قائمة على “بكاء السماء”، بل تستخدم طيفًا واسعًا من الصور الكونية والرمزية. ولذلك فإن ربط الآية القرآنية بعبارة جزئية معزولة، ثم تعميمها على كامل التراث المصري القديم، لا يعدو كونه انتقائية نصية وتعميمًا غير دقيق.
المصدر:
The Ancient Egyptian Pyramid Texts – James P. Allen (PDF)
المحور الرابع :هل تعبير «بكت السماء والأرض» مصري الأصل؟
يبقى السؤال: لماذا استخدم القرآن تعبير ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾؟
في الواقع، فإن تعبير “بكاء السماء والأرض” معروف بوصفه مجازًا يُستعمل للمبالغة في تعظيم شأن الميت ومكانته، ونفي هذا البكاء يُستخدم على العكس للتحقير من شأن الهالك وبيان أن موته لم يكن ذا قيمة.
- وقد أشار فخر الدين الرازي إلى هذا المعنى بقوله :
أن عادة الناس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن : إنه أظلمت له الدنيا ، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء والأرض ، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة
— تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير – الفخر الرازي (٢٧ / ٦٦٠)
- وقال القرطبي في تفسيره :
وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم : بكت له السماء والأرض ، أي : عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق ، وبكته الليالي الشاتيات
— تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (١٦ / ١٣٩)
ويؤكد ذلك ما ورد فيصحيح مسلم - عن الشهب :
رُميَ بنَجمٍ فاستَنارَ، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ماذا كُنتُم تَقولونَ في الجاهِليَّةِ إذا رُميَ بمِثلِ هذا؟ قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، كُنَّا نَقولُ: وُلِدَ اللَّيلةَ رَجُلٌ عَظيمٌ، وماتَ رَجُلٌ عَظيمٌ
وهذا يدل على أن ربط الظواهر الكونية بموت الأشخاص كان معروفًا في المخيال العربي قبل الإسلام.
ويظهر الأسلوب نفسه في الشعر الجاهلي،
كما في قول عمرو بن كلثوم :
فَــأَطْعَنُهُ وَقُلْـتُ لَـهُ خُـذَنْها مُشـــَوَّهَةً تَبَجَّــسُ بِالــدِّماءِ
فَمـا افْتَرَقَتْ لِذاكَ بَناتُ نَعْشٍ وَلا كَسـَفَتْ لَـهُ شـَمْسُ السـَّماءِ
أي أنه قتل رجلًا لا يستحق أن تضطرب له السماء أو تتغير الظواهر الكونية، على سبيل التحقير من شأنه. وبنات نعش هنا إشارة إلى النجوم.
وبالمعنى نفسه يأتي قول القرآن : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾، أي أن هلاك قوم فرعون لم يكن حدثًا يُؤبه له أو يُعظَّم، بل جاء التعبير في سياق الإهانة والتحقير من شأنهم.
كما أن فكرة “بكاء السماء والأرض” ليست حكرًا على النصوص المصرية أصلًا، بل تظهر أيضًا في الأدب اليهودي. ففي مدراش Devarim Rabbah وهو من نصوص المدراش اليهودية المتأخرة ويرجع تقريبًا إلى القرنين الخامس أو السادس الميلادي يرد عند الحديث عن وفاة موسى :
«تبكي السماء قائلة: لقد فُقد التقي من الأرض، وتبكي الأرض قائلة: لم يعد هناك مستقيم من الناس».
المصدر: مدراش Devarim Rabbah 11:10
ويظهر من هذا النص أن بكاء السماء والأرض كان يُستخدم بوصفه تعبيرًا مجازيًا عن عظمة المتوفى وصلاحه، وهو ما ينسجم مع استعمال القرآن لنفي هذا المعنى عن أعداء موسى وقوم فرعون.
بقلم MAX .