حيث تتلاشى الخرافة

الإجهاز على اعجاز نار الحجاز

هل كانت نار الحجاز المذكورة في الحديث النبوي هي بالفعل ثوران حرة رهط سنة 654هـ؟ يبحث هذا المقال في الروايات التاريخية والتفسيرات اللغوية والحقائق الجيولوجية، ويناقش مدى دقة الربط بين النبوءة والبركان، مع نقد دعوى الإعجاز المرتبطة بإضاءة أعناق الإبل في بصرى.

الإجهاز على اعجاز نار الحجاز

 

  دعوى الإعجاز:

  روى أبو هريرة أن نبي الإسلام قال : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.»

— صحيح البخاري - ط السلطانية – البخاري (٩ ‏/ ٥٨)

ويستدلّ أصحاب الإعجاز بهذا الحديث على النبوّة، انطلاقًا من أن نبي الإسلام أخبر بخروج نار عظيمة من أرض الحجاز، يبلغ ضوؤها مدينة بُصرى في الشام، رغم أن المسافة بين الموضعين تمتدّ مئات الكيلومترات.

ولتقوية إمكان وقوع ذلك من الناحية العلمية، يستشهد بعضهم بثورات بركانية تاريخية ومعاصرة ضخمة، ولا سيما ثوران كراكاتوا سنة 1883 (1883 eruption of Krakatoa) في إندونيسيا، وثوران جبل تامبورا سنة 1815 (1815 eruption of Mount Tambora)، وغيرها من الحوادث التي بلغت فيها سحب الرماد والتوهّج البركاني ارتفاعات شاهقة، وأمكن رصد آثارها البصرية من مسافات بعيدة جدًا. ومن خلال القياس على هذه النماذج، يحاولون إثبات أن رؤية توهّج بركاني من مسافة تقارب ألف كيلومتر ليست أمرًا مستبعدًا.

ويقولون إن ذلك تحقق بالفعل بعد نحو ستة قرون، عند اندلاع بركان حَرَّة رَهَط قرب المدينة المنورة سنة 654هـ، إذ تذكر بعض الروايات التاريخية أن وهج النار كان يُرى من مسافات بعيدة، وأن أثره البصري بلغ بُصرى عبر ظاهرة التوهّج البركاني في السماء، حتى أضاء أعناق الإبل كما ورد في الحديث.

وبناءً على ذلك، يرون أن هذا يُمثّل إعجازًا نبويًا، لأن نبي الإسلام بحسب زعمهم، لم يكن يملك معرفة بالبراكين أو بالظواهر البركانية القادرة على إحداث مثل هذا التوهّج الهائل، ومع ذلك أخبر بوقوعه قبل حدوثه بقرون.

إنَّ المتأمل بعين البصيرة في طبيعة هذه النبوءة يلحظ أنها تندرج ضمن نمط نبوءات الكهّان، إذ تقوم، كغيرها من التنبؤات الغامضة، على ركيزتين أساسيتين:

أولًا: الانفكاك عن القيد الزمني

إنّ خلوَّ النبوءة من ميقاتٍ محدَّد يجعلها بمنأًى دائم عن التكذيب الواقعي؛ إذ يظل تحققها معلَّقًا في فضاء الاحتمالات المفتوحة وعلى امتداد الزمن غير المحدود. فكلّما وقع حادثٌ أمكن ربطه بالنص، أُعيد إسقاط النبوءة عليه، ولو بعد قرون متطاولة.

وهذا بعينه من جنس تنبؤات الكهّان؛ إذ كلّما تجردت النبوءة من التحديد الزمني ازدادت قابليتها لإعادة التأويل والتكييف مع الوقائع اللاحقة. فغياب الإطار الزمني يوسّع نطاق تأويل النص إلى حدّ تنعدم فيه قابلية التخطيء ، فلا يعود ممكنًا اختباره اختبارًا حاسمًا يُظهر صدقه أو كذبه، بل يغدو منفتحًا على المواءمة مع أي واقعة لاحقة.

ثانيًا: مطاطية النص وتعدد أوجه التأويل

ينص الحديث على:

«لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تُضيء أعناق الإبل ببصرى.»

وهو نصّ واسع الدلالة، قابل لحمل معانٍ متعددة، ولا يفرض تفسيرًا واحدًا محدّدًا أو إحالةً قطعية إلى ظاهرة بركانية بعينها. وهذه المطاطية التأويلية من السمات البارزة في الخطاب الكهاني؛ إذ تُصاغ العبارة على نحو يسمح بإعادة توجيه معناها وربطها بالحدث اللاحق بحسب مقتضيات التأويل.

وعليه، فإن النص لا يُلزم بدلالة واحدة حاسمة، بل يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، بما يضعف دعوى التطابق الدقيق التي يُروَّج لها.

1- المقصود نارُ حربٍ وفتنة

فقد يكون المراد بالنار هنا نارَ الفتن والحروب، لا نارًا حقيقية مادية. وهذا الاستعمال معروفٌ ومستقرٌّ في لسان العرب؛ إذ تُستعار النار للدلالة على اشتعال الفتنة وعِظم البلاء، فيقال: اشتعلت نار الحرب و أضرمت الفتنة.

وعليه، فقد يكون معنى الحديث أن فتنةً عظيمة ستخرج من الحجاز، وتمتد آثارها إلى الشام، حتى يبلغ صداها بُصرى وما حولها.

وهذا الفهم ليس متكلَّفًا ولا شاذًا، بل هو مسلكٌ سلكه بعض الشراح والعلماء عند تفسير أحاديث مشابهة. فقد ذكروا في شرح بعض روايات “نار المشرق احتمالَ أن تكون النار كنايةً عن الفتنة، فقالوا:

ويحتمل أنه أراد بالنار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب فتنةَ الترك، فإن الفتنة إذا عظمت وعمّت وأسرعت في الناس كانت أشبه شيء بالحريق، لا سيما وقد كان التحريق معظم ما استعانوا به على التخريب.”

فإذا كان هذا التأويل قد قُبل في نظائر الحديث، فلا وجه لحصر “نار الحجاز” في التفسير البركاني وحده، ثم بناء دعوى الإعجاز على هذا التعيين الانتقائي.

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة – ناصر الدين البيضاوي (٣ ‏/ ٣٥١)

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح – الملا على القاري (٨ ‏/ ٣٤٣٣)

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي – التوربشتي (٤ ‏/ ١١٥٨)

2- المقصود حدثٌ خارقٌ للطبيعة

إنَّ الناظر في سياق أشراط الساعة يلحظ أن الغالب عليها هو خرقُ المألوف ونواميس الوجود؛ كطلوع الشمس من مغربها، ونطق الحيوان، وغير ذلك من الأحداث الخارقة التي تتجاوز السنن الطبيعية المعتادة.

وقد يُقال: إن هذا الاعتراض لا يستقيم هنا، لأن “نار الحجاز” تُعد من علامات الساعة الصغرى، وهي  في الغالب أحداث عادية لا يلزم أن تكون خارقة للعادة.

غير أن هذا الجواب يتجاهل حقيقةً مهمة، وهي أن هذه النبوءة نفسها مرَّت بتحولٍ تفسيري واضح؛ إذ إن طائفةً من العلماء المتقدمين لم تفهم الحديث أصلًا على أنه وصفٌ لبركان تاريخي عادي، بل حملته على حدثٍ أخرويٍّ كوني مرتبط بأشراط الساعة الكبرى والحشر.

  • تفسير الامام القرطبي قبل الحدث :
فيعني - والله تعالى أعلم - أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة إلى الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل [4]

ذهب القرطبي الى ربط هذه النار بنار الحشر الكبرى جاعلا اياها حدثا كونيا يمتد اثره من اقاصي الارض الى ادانيها حيث يقول في تفسيره ومتعبراً لها من العلامات الكبرى

  • تفسير القاضي عياض :
فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز - والله أعلم. [5]

وعلى ذات النهج قال القاضي عياض في محاولته للجمع بين الروايات التي ذكرت قعر عدن وتلك التي ذكرت ارض الحجاز مرجحا انهما ناران تجتمعان لحشر الناس او ان المبدأ من اليمن والظهور في الحجاز

3 -  المقصود هو دخول الاسلام بصرى

قد لا تكون “النار” المذكورة في الحديث نارًا حسية أصلًا، بل رمزًا لانتشار الإسلام وخروج دعوته من الحجاز حتى بلوغها بُصرى بالشام.

وهذا المعنى تدعمه الخلفية التاريخية؛ إذ كانت بُصرى أول مدينة كبرى من مدن الشام دخلها المسلمون في عهد أبو بكر الصديق، مما يجعل الربط بين “إضاءة بُصرى” وبين وصول الإسلام إليها أمرًا منسجمًا مع الاستعمالات الدينية والبلاغية في التراث الإسلامي.

واللافت حقًا أن نفس القالب التصويري الذي استُخدم في حديث “نار الحجاز” استُخدم أيضًا في الروايات التي تصف ميلاد النبي وانتشار نوره.

{أضاءة أعناق الإبل ببصرى}

الحديث الأول

“رأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام.”

الحديث الثاني

“رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري، فإذا هو نور ساطع في الشام.”

الحديث الثالث

“رأيت نورًا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى...”

الحديث الرابع

“رأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام.”

إن تكرار نفس الصورة البيانية، ونفس الموضع الجغرافي بُصرى بل وحتى نفس التعبير: «أضاءت أعناق الإبل ببصرى»، يوحي بأن المقصود ليس وصف ظاهرة جيولوجية دقيقة، بل استعمال رمزي متكرر للتعبير عن انتشار الإسلام وامتداد أثره إلى الشام.

فالنار والنور يشتركان في معنى الإضاءة والظهور والانتشار، وكلاهما يُستعمل في السياقات البلاغية والدينية للدلالة على القوة والهيمنة والامتداد، كما هو شائع في لغة العرب وأشعارهم.

ويؤيد هذا الفهم ما ذكره ابن كثير في تعليقه على حديث إضاءة بُصرى، حيث ربط المعنى صراحةً بدخول الإسلام إليها، فقال:

وَفِيهِ بِشَارَةٌ لِأَهْلِ مَحَلَّتِنَا أَرْضِ بُصْرَى، أَنَّهَا أَوَّلُ بُقْعَةٍ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ خَلَصَ إِلَيْهَا نُورُ النُّبُوَّةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَكَانَ فَتْحُهَا صُلْحًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ .[1]

فكلام ابن كثير نفسه يفتح باب التأويل الرمزي للنص، ويجعل “إضاءة بُصرى” مرتبطة بانتشار الإسلام لا بضرورة وقوع حدث بركاني خارق.

4  - خروج النار حقيقة لا مجازًا، لكن إضاءة أعناق الإبل ببُصرى مجازية

حتى لو سلّمنا بأن المقصود بالنار في الحديث هو نار حقيقية لا مجازية، فإن هذا لا يلزم منه أن تكون جملة «تضيء أعناق الإبل ببُصرى» على ظاهرها الحرفي؛ بل الأرجح أنها تعبير بلاغي قائم على المبالغة والتفخيم.

فالسياق اللغوي، إلى جانب عدد من الأحاديث الأخرى، يرجّح أن “بُصرى” كانت تُستخدم في الخطاب النبوي بوصفها رمزًا للمسافة البعيدة واتساع الأثر، لا باعتبارها تحديدًا جغرافيًا حرفيًا دقيقًا.

ومن ذلك قوله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - ﷺ - قال:{والذي نفسُ محمدٍ بيدِه ! أنَّ ما بين مِصراعَين من مصاريعِ الجنةِ لكما بين ( مكةَ ) و ( هَجرَ ) أو كما بين ( مكةَ ) و ( بُصرَى )

فبُصرى هنا تُستعمل مثالًا للمسافات الشاسعة، تمامًا كما نقول اليوم: “وصل صيته إلى آخر الدنيا” أو “سمعتك وصلت الصين”، دون أن يُفهم الكلام على ظاهره الحرفي.

فالقصد هنا هو انتشار الصيت والسمعة الحسنة بين الناس وليس الوصول الجغرافي الفعلي.

ويزداد هذا المعنى قوة حين نلاحظ أن نفس الصورة البلاغية استُعملت في روايات ميلاد النبي، حيث ذُكر أن نورًا خرج عند ولادته حتى أضاء بُصرى بالشام.

ومن المستحيل فيزيائيًا أن يخرج نور من جسد إنسان فيضيء أعناق الإبل على بعد مئات الكيلومترات حرفيًا، مما يدل بوضوح على أن التعبير يُراد به التعظيم والتهويل وإبراز عظمة الشأن، لا الوصف الفيزيائي الدقيق.

وهذا ما تدعمه الاحاديث التي عرضتها سابقاً:

​(واللَّهِ إنَّ لابني هذا شأنًا إنِّي حملتُ بِهِ فلم أحمل حملًا قطُّ كانَ أخفَّ منْهُ ولا أعظمَ برَكةً ثمَّ رأيتُ نورًا كأنَّهُ شِهابٌ خرجَ منِّي حينَ وضعتُهُ أضاءتْ ليَ أعناقُ الإبلِ ببُصرى) - إسناده جيد
​ (رأت أُمِّي حينَ حَمَلَتْ بي كأنَّهُ خرجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قصورُ بُصرَى مِن أرضِ الشَّامِ) - إسناده جيد.
(رأيتُ عَمودَ الكِتابِ انتُزِعَ من تحتِ وِسادَتي، فأتبعْتُه بَصَري، فإذا هو نورٌ ساطعٌ في الشامِ) - إسناده صحيح

​فجميع هذه النصوص تجعل من بُصرى رمزًا بلاغيًا لاتساع الأثر وعلو الشأن، لا نقطة رصد حرفية لظاهرة ضوئية خارقة.

وهذا التفسير ليس اختراعًا متأخرًا، بل ذكره كبار الشراح. فقد ذهب القسطلاني إلى أن عبارة «إضاءة أعناق الإبل ببُصرى» محمولة على المبالغة البلاغية، فقال:

{فيحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه المبالغة، وذلك في لغة العرب سائغ. وفي باب التشبيه في البلاغة بالغ وللعرب في التصرف في المجاز ما يقتضي للغتها بالسبق في الإعجاز، وعلى هذا يكون القصد بذلك التعظيم لشأنها والتفخيم لمكانها والتحذير من فورانها وغليانها}.[3]

بعد أن تبيّن مقدار الضبابية في دلالة النص، يظهر إشكال آخر لا يقل خطورة، وهو ضبابية الموقع الجغرافي نفسه.

ما هي بصرى و ما هي الحجاز ؟

فالحديث يتكلم عن “أرض الحجاز”، لكن هذا المصطلح لم يكن عند الجغرافيين والفقهاء الأوائل محددًا بحدود دقيقة متفق عليها، بل كان مفهومًا مرنًا ومضطربًا إلى درجة تسمح بإدخال مناطق شاسعة ومتباعدة تحته.

وقد ذهب عدد من كبار الجغرافيين والعلماء المتقدمين إلى توسيع مفهوم الحجاز بشكل يصطدم تمامًا بالتصور المعاصر له.

فقد نص أبو عبيد البكري (432 هـ) في كتابه "معجم ما استعجم" على أن:

تبوك من الحجاز، وكذلك فلسطين، ومن المدينة إلى طريق الكوفة إلى الرمة حجاز

معجم ما استعجم من اسماء البلاد والمواضع – أبو عبيد البكري (١ ‏/ ١٢)

وقال الحرقي:

إن تبوك وفلسطين من الحجاز، وتقدم في ظهور نار الحجاز أن الشافعي نصّ على أن المدينة ومكة يمانيتان.

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى – السمهودي (٤ ‏/ ٥٥)

كما نُقل عن إبراهيم الحربي القول في معجم البلدان بأن:

تبوك وفلسطين من الحجاز.

معجم البلدان – الحموي، ياقوت (٢ ‏/ ٢١٩)

وهنا تنهار دعوى “التحديد الدقيق” التي يقوم عليها الخطاب الإعجازي؛ لأن النص لا يحدد موقعًا جغرافيًا منضبطًا، بل يستعمل مصطلحًا مطاطيًا اختلفت حدوده عند المتقدمين اختلافًا واسعًا.

فحين تصبح فلسطين جزءًا من الحجاز عند بعضهم، وتخرج مكة منه عند آخرين، يفقد المصطلح أي قيمة تحديدية حقيقية، ويتحول إلى مساحة جغرافية فضفاضة يمكن إسقاط النبوءة عليها بأثر رجعي.

وعليه، فلو وقع ثوران بركاني أو حدث ناري عظيم في فلسطين أو تبوك أو أي منطقة أُلحقت قديمًا بالحجاز، لكان من السهل إعادة تأويل الحديث وربطه به، تمامًا كما حدث مع حرة رهط لاحقًا.

وهذا يكشف أن النبوءة لم تكن تحمل تحديدًا جغرافيًا صارمًا بقدر ما كانت نصًا مرنًا قابلًا للتكييف مع وقائع متعددة.

لماذا غابت حرة رهط وحضر الحجاز؟

نحن أمام نص يتجنب التخصيص ويلجأ إلى التعميم الفضفاض. وهنا يبرز السؤال الذي ينسف دعوى الإعجاز من أصلها:

لماذا لم يقل الحديث صراحة: “ستخرج نار من حرة رهط”؟

فـحرة رهط لم تكن موضعًا مجهولًا حتى يُعتذر عن عدم تسميتها، بل كانت معروفة بهذا الاسم منذ الجاهلية، ومتداولة في كلام العرب والجغرافيين.

فإذا كان المقصود فعلًا ثورانًا محددًا في موضع محدد، فما الذي منع النص من التصريح باسم المكان بدل الاختباء خلف تعبير فضفاض كـ“أرض الحجاز”؟

إن العدول عن اسم البقعة الدقيقة إلى اسم إقليم واسع مضطرب الحدود ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو السمة الجوهرية لنبوءات الكهان والعرافين؛ إذ تُصاغ النبوءة بلغة مرنة تسمح بإعادة إسقاطها على وقائع متعددة وأماكن متباعدة كلما دعت الحاجة.

وحين نجمع أقوال الجغرافيين والفقهاء المتقدمين حول حدود الحجاز، نجد أنفسنا أمام رقعة جغرافية شاسعة ومائعة، تدخل فيها تبوك وفلسطين عند قوم، وتخرج منها مكة نفسها عند آخرين.

وبهذا يصبح وقوع أي حادث ناري أو بركاني داخل هذه المساحة الهائلة قابلًا للتسويق بوصفه “تحققًا للنبوءة”.

إن النبوءة التي تعجز عن تحديد موضعها بدقة، وتختبئ خلف مصطلحات جغرافية سائلة، ليست نبوءة مبهرة ولا كشفًا خارقًا، بل مجرد توقع بشري عام صيغ بطريقة تحتمل عشرات الاحتمالات، وهو بالضبط الأسلوب الذي عُرفت به خطابات الكهان.

قال أهل اليمن: مكة يمانية.
وقال أهل الطائف: مكة تهامية.
وقال أهل العراق: مكة حجازية.

ولو أردنا إكمال المشهد العبثي على الطريقة نفسها لقلنا:

وقال أهل مصر: مكة فرعونية!

فإذا كانت حدود “الحجاز” نفسها محل نزاع واضطراب بين أهل اللغة والجغرافيا، فأين هو التحديد المعجز الذي يُبنى عليه هذا الخطاب كله؟

لكن حتى لو افترضنا جدلًا أننا اتفقنا على حدود “الحجاز”، تبقى معضلة أخرى لا تقل اضطرابًا: ما المقصود أصلًا بـ“بُصرى”؟

فالمدينة التي يُفترض أن الضوء بلغها ليست محل اتفاق هي الأخرى، بل وقع الخلاف قديمًا في تحديدها.

فقد قال بعض الشراح:

القاضي عياض في مشارق الأنوار على صحاح الآثار :

(بُصْرى) بضمِّ الباء وسُكون الصَّاد وفتح الرَّاء مَقصُور، هي مَدِينة حُورَان، قاله البَكريُّ، وقال ابنُ مَكِّيٍّ: هي مَدِينة قَيسارِية، وذِكرُها في غَيرِ حَديثٍ.

مشارق الأنوار على صحاح الآثار - ط عطاءات العلم – القاضي عياض (١ ‏/ ٢٦٤)

كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح :

(» بِبُصْرَى «): بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ، وَهِيَ مَدِينَةُ حَوْرَانَ بِالشَّامِ، وَقِيلَ: مَدِينَةُ قَيْسَارِيَةِ الْبَصْرَةِ.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح – الملا على القاري (٨ ‏/ ٣٤٣٢)

كتاب تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة :

و«بصرى»بضم الباء: مدينة حوران من الشام، وقيل: مدينة البصرة.

— تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة – ناصر الدين البيضاوي (٣ ‏/ ٣٥٠)


أي أننا أمام تعدد في تعيين الموقع نفسه:

  • قول يجعل بُصرى مدينة في الشام.
  • وقول آخر يربطها بالبصرة أو نواحيها.
  • وبعض النقول المتأخرة توسعت حتى خلطت بينها وبين مناطق من فلسطين والشام الكبرى.

وهنا تتكرر المشكلة نفسها: النص الذي يُسوَّق باعتباره “إعجازًا جغرافيًا دقيقًا” لا يملك أصلًا تحديدًا جغرافيًا مستقرًا لا في نقطة الانطلاق ولا في نقطة الوصول.

فإذا كان:

  • “الحجاز” مختلفًا في حدوده،
  • و“بُصرى” مختلفًا في تعيينها،

فكيف تحولت النبوءة فجأة إلى معادلة جغرافية صارمة يدّعى أنها تحققت بدقة مذهلة؟


خروج النار من كل أقطار الأرض

بعد أن تبيّن أن النص فضفاض ويحتمل أكثر من معنى، لا تتوقف المشكلة عند هذا الحد , بل إن هذا النمط من النبوءات يتكرر بكثرة في السردية الإسلامية نفسها، حتى تكاد كل جهة جغرافية معروفة آنذاك تُنسب إليها “نار آخر الزمان”.

1- خروج نار من الحجاز

أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.»

— صحيح البخاري - ط السلطانية – البخاري (٩ ‏/ ٥٨)

2- خروج نار من حضرموت [ اليمن]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ»

— سنن الترمذي - ت شاكر – الترمذي (٤ ‏/ ٤٩٨)

3- خروج نار من عدن [ اليمن]

قَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ»

صحيح مسلم - ط التركية – مسلم (٨ ‏/ ١٧٩)

من علامات الساعة الكبرى قبل حادثة نار المدينة كان يتم ربطها بنار الحجاز

4- خروج نار من المشرق [ العراق وفارس]

قَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ

— صحيح البخاري - ط السلطانية – البخاري (٩ ‏/ ٥٨)

والمشرق بالنسبة للمدينة هو العراق وفارس. وغالباً ما يُؤوَّل الحديث تأويلاً مجازياً باعتباره إشارة إلى فتنة أو حرب، لكن لو وقع بركان أو حريق هائل في تلك المناطق مستقبلاً فسيُعاد تفسير النص باعتباره نبوءة حرفية متحققة.

5- خروج نار من جبل الوراق (اليمن)

فقال: «يُوشِكُ أن يَدَعُوها أحسن ما كانت، لَيْتَ شِعْري، متى تخرج نارٌ من جبل الوِرَاق، تُضِيءُ لها أعناقُ البُخْتِ بالبصرَى بُروكًا كضَوْءِ النهار»

المستدرك على الصحيحين - ط الرسالة – أبو عبد الله الحاكم (٩ ‏/ ١٣١)

وهكذا نجد السردية موزعة على جميع الجهات تقريباً:

  • من الجنوب: نار حضرموت، ونار عدن، ونار جبل الوراق.
  • من الوسط: نار الحجاز الشهيرة.
  • من الشرق: نار المشرق التي تحشر الناس إلى المغرب.


إن إطلاق نبوءات فضفاضة على امتداد جغرافي واسع، مع تركها مفتوحة زمنياً بلا سقف محدد، يجعل تحقق بعضها أمراً شبه حتمي عبر القرون

فإذا انفجر بركان بعد ستمائة عام، أو بعد سبعة آلاف سنة، أو حتى بعد ثلاثين ألف سنة، فسيُقال ببساطة: لقد تحقق الإعجاز.

حين تتحول النبوءة إلى شبكة احتمالات مفتوحة، يصبح النجاح نتيجة طبيعية لا دليلاً إعجازياً.


الجذر التوراتي للنبوءة

يبقى السؤال التاريخي: هل هذه الصورة النبوئية مبتكرة داخل التراث الإسلامي، أم أنها امتداد لموروث كهنوتي أقدم؟

في سفر عاموس نجد نصاً لافتاً:

«فَأُرْسِلُ نَارًا عَلَى تَيْمَانَ فَتَأْكُلُ قُصُورَ بُصْرَةَ.»

عاموس 1:12

وتيمان تُفسَّر غالباً بأنها “تيمان أدوم”، الواقعة شمال غرب الجزيرة العربية قرب طرق الحجاز المؤدية إلى الشام، أي ضمن فضاء جغرافي متداخل مع الحجاز.

ولو أخذنا بتفسير البكري لحدود الحجاز، الممتدة ـ بحسب بعض التصورات القديمة ـ من تبوك إلى تخوم فلسطين، فإن “تيمان” ستقع ضمن المجال الحجازي نفسه، إذ تُوصف بأنها المنطقة الواقعة بين تبوك وفلسطين، وبذلك تصبح جزءاً طبيعياً من فضاء الحجاز التاريخي.


أما التفسير الآخر لـ“تيمان”، فهو أنها تعني ببساطة “الجنوب”، ولذلك استُعمل الاسم أحياناً للدلالة على اليمن، حتى إن يهود اليمن كانوا يُعرفون باسم “التيمانيم”.

المصدر

( نبوءة / نار / حجاز / بصرى)

( نبوءة / نار / اليمن / بصرى)

وهنا تظهر العناصر نفسها بصورة تكاد تكون متطابقة:

  • نبوءة
  • نار
  • الحجاز/اليمن
  • بصرى

فمرة تخرج النار من الحجاز لتضيء أعناق الإبل ببصرى، ومرة تخرج من اليمن لتضيء أعناقها “كضوء النهار”. ومن اللافت أن الروايات الإسلامية بدت وكأنها تغطي الاحتمالين الجغرافيين معاً للنص التوراتي: الحجاز من جهة، واليمن من جهة أخرى.

بل حتى اسم “بصرى” نفسه ليس بالضرورة محسوم الدلالة في النص التوراتي، إذ يمكن أن يُقصد به موضع آخر، غير أن اللافت أن هذا التعدد والاضطراب في تحديد المقصود ببصرى نجده أيضاً داخل الروايات الإسلامية ذاتها، وكأن السردية أعادت إنتاج النص التوراتي مع جميع احتمالاته الجغرافية وتأويلاته المختلفة.

وفي النهاية، يبدو المشهد أقرب إلى اقتباس وإعادة صياغة لموروث توراتي قديم، لا إلى نبوءة مستقلة ذات خصوصية فريدة.

نماذج أخرى من النبوءات الكهنوتية

ولكي تتضح آلية النبوءات الكهنوتية والعِرافية، سنستعرض نماذج أخرى تقوم على الأسلوب نفسه: لغة فضفاضة، وصور ملحمية، ونصوص مفتوحة زمنياً يمكن إسقاطها على أحداث لا حصر لها عبر القرون.

1- خروج نار من مصر — القرن الأول الميلادي

«وَأُضْرِمُ نَارًا فِي مِصْرَ. سِينُ تَتَوَجَّعُ تَوَجُّعًا، وَنُو تُنْشَقُّ، وَلِنُوفَ ضِيقَاتٌ كُلَّ يَوْمٍ»

المصدر

والمقصود بـ“نو” مدينة الأقصر، و“نوف” مدينة منف، أما “سين” فهي سيناء.

واللافت هنا أسلوب الصياغة؛ فالنص لا يقدم حدثاً محدداً يمكن اختباره أو نفيه، بل يعتمد أوصافاً مطاطية وهلامية: سين تتوجع، نو تنشق، نوف تضيق. وهي عبارات يمكن إسقاطها على أي أزمة تقريباً؛ حرب، اضطراب سياسي، زلزال، مجاعة، أزمة اقتصادية، أو حتى توتر اجتماعي عابر.

وهذه هي طبيعة الخطاب الكهنوتي: لغة فضفاضة تسمح بإعادة تفسيرها باستمرار، بحيث يستطيع المؤمن بالنبوءة أن يجد لها “تحققاً” في كل عصر تقريباً.

2- نار تخرج من الجنوب - 591 قبل الميلاد.

{هأَنَذَا أُضْرِمُ فِيكِ نَاراً فَتَأْكُلُ كُلَّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ فِيكِ وَكُلَّ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ.. وَتُحْرَقُ بِهَا كُلُّ الْوُجُوهِ مِنَ الْجَنُوبِ إِلَى الشَّمَالِ} .

المصدر

هنا يظهر النمط الملحمي نفسه الذي نجده في نبوءات النار الإسلامية: نار كاسحة، شاملة، “لا تُبقي ولا تذر”، تمتد من الجنوب إلى الشمال في صورة كارثية تتجاوز الوصف الواقعي إلى المشهد الأسطوري.


3- نار تخرج من صقلية — القرن الأول الميلادي

في نبوءات "العرافات السيبيلية"

يخرج من صدعٍ عميقٍ في أرض إيطاليا نارٌ تلمع في السماء الواسعة، وتحترق مدنٌ كثيرةٌ ويُدمر الناس، ويملأ الرماد الأسود السماء، وتتساقط قطراتٌ صغيرةٌ كالأرض الحمراء من السماء، فاعلموا غضب إله السماء وستُشعل صقلية، البائسة، سيلًا من نار قوية، بينما يتدفق لهيب إتنا؛ وفي الهاوية العميقة، ستسقط مدينة كروتون العظيمة

المصدر

والمفارقة أن هذه النبوءة تبدو وكأنها “تحققت” بالفعل في ثوران بركان إتنا سنة 1669م، حين تعرضت مناطق واسعة من صقلية لدمار هائل وسقط آلاف الضحايا.

فهل يعني ذلك أن العرافات الوثنيات كنَّ نبيات يُوحى إليهن؟

أم أن الأمر ببساطة لا يتجاوز كونه نصوصاً فضفاضة تُترك مفتوحة عبر الزمن، حتى يأتي حدث ما بعد قرون طويلة فيُعاد تأويله باعتباره “تحققاً إعجازياً”؟

فعندما تُصاغ النبوءة بلغة عامة، بلا إطار زمني محدد، وبصور كارثية قابلة للتطبيق على عشرات الوقائع المحتملة، يصبح العثور على “تحقق” لها بعد ألف أو ألفي سنة أمراً متوقعاً لا مدهشاً.

وهناك أمثلة أخرى كثيرة تسير على النمط نفسه.

ولا يحتاج محمد أو غيره إلى معرفة علمية بالبراكين حتى يطلق مثل هذه النبوءات؛ فكل ما يلزم هو أن يكون مستمعاً جيداً لإرث النبوءات اليهودية والوثنية المحيطة به، تلك المليئة بصور “النار القادمة” من كل اتجاه منذ قرون طويلة.

فما نراه هنا ليس اختراعاً مدهشاً ولا علماً غيبياً، بل إعادة تدوير للأسلوب الكهنوتي القديم نفسه: كلمات فضفاضة، وصور ملحمية، وزمن مفتوح بلا أي قيد، بحيث تبقى النبوءة حيّة إلى الأبد، تنتظر فقط من يُسقطها على أي حدث لاحق ثم يصرخ: لقد تحقق الإعجاز!


علمياً

إن الاستدلال بظاهرة “التوهج السماوي البركاني” التي رافقت بعض الانفجارات العملاقة كالسوبرفولكانو الإندونيسي (1883 eruption of Krakatoa) لإثبات إمكانية رؤيتها من حرة رهط، هو قياس مضلل علمياً.

فالبراكين ليست نوعاً واحداً، والقياس بينها لمجرد اشتراكها في مسمى "بركان" أشبه بمقارنة صاروخ ألعاب نارية بصاروخ باليستي عابر للقارات؛ فكلاهما يُسمى “صاروخاً”، لكن الفارق بينهما هائل في القدرة والطاقة والتأثير.

والأمر نفسه ينطبق على البراكين؛ فحتى البراكين المتشابهة في النوع قد تتفاوت تفاوتاً ضخماً في الحجم، وشدة الانفجار، وارتفاع الأعمدة البركانية، وطبيعة الحمم، فما بالك ببراكين تنتمي إلى أنماط مختلفة تماماً؟

ولكي يُنتج البركان ظاهرة “توهج سماوي” تُرى من مسافة تقارب 950 كم، فلا بد من شروط جيولوجية استثنائية، أهمها:

1- أن يقذف البركان مواده إلى طبقات الستراتوسفير، أي إلى ارتفاعات تتجاوز 20–30 كم على الأقل. وبما أننا نتحدث عن مدى بصري يقترب من ألف كيلومتر، فالأمر يتطلب غالباً أعمدة بركانية أعلى من ذلك.

2- أن تكون الحمم شديدة اللزوجة؛ لأن اللزوجة تحبس الغازات داخل الصهارة، فيتراكم الضغط ثم يحدث انفجار هائل يفتت الحمم إلى رماد دقيق جداً ويقذفه إلى ارتفاعات شاهقة.

ولهذا ترتبط ظاهرة التوهج السماوي عادة بالبراكين البلينية أو فوق البلينية ذات الحمم الريوليتية شديدة الانفجار، لا بالبراكين البازلتية الهادئة نسبياً.

صفات بركان من النوع البليني: Krakatoa كراكاتاو مثالا

يُعدّ بركان Krakatoa أو كراكاتاو في إندونيسيا من أعنف البراكين في التاريخ الحديث، وقد بلغ ذروة ثورانه الكارثي سنة 1883 في مضيق سوندا بين جزيرتي جاوة وسومطرة. تميز الثوران بطبيعته الانفجارية العنيفة من النوع البليني (Plinian eruption)، حيث قذف كميات هائلة من الرماد والغازات والمواد البركانية إلى طبقات الجو العليا، وأدى إلى انهيار معظم الجزيرة وتشكّل أمواج تسونامي مدمّرة أودت بحياة عشرات الآلاف. وتشير بيانات USGS إلى أن عمود الثوران اخترق طبقة الستراتوسفير وبلغ ارتفاعًا يفوق 30 كيلومترًا.

انظر: USGS – Volcano Watch: Mixing Magmas at Krakatau

بينما تشير بعض التقديرات الحديثة إلى أن الرماد البركاني الناتج عن ثوران كراكاتاو ربما وصل إلى ارتفاع يقارب 80 كيلومترًا في الغلاف الجوي.

Ash was propelled to an estimated height of 80 km (260,000 ft)

المصدر

وهو ما يجعله من بين أعلى الأعمدة البركانية المعروفة تاريخيًا. كما سُمع دويّ الانفجار على مسافات شاسعة تجاوزت آلاف الكيلومترات، وسُجلت آثاره المناخية في مناطق مختلفة من العالم لسنوات لاحقة.

صفات بركان حرة رهط

“The study area encompasses lava flows, scoria cones, and shield volcanoes … of basalts, hawaiites, and mugearite …”

المصدر : هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)

Lavas that have basalt, hawaiite, and mugearite compositions mainly erupted in Hawaiian and Strombolian styles

المصدر دراسة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية

Reticulite occurrence throughout the AD1256 tephras and overlapping grain size distribution properties to 1959 Kilauea-iki and 1986 Izu-Oshima tephra blankets (Fig. 7) imply that fountain heights were over 500 m. Given crater depths of >140 m in the largest vent site (cone 6), fountains would need to be>300 m for any significant tephra dispersal in the latter phases of the eruption. Hence, columns between 500 and 1000 m in height were likely reached during peak phases of the AD1256 eruption. Lower vesicularity and greater isolated porosity seen in some tephra could also imply that Strombolian eruptive phases (Polacci et al. 2006) occurred during the episode

(Identifying multiple eruption phases from a compound tephra blanket: an example of the AD1256 Al-Madinah eruption, Saudi Arabia، p. 9).

  • حقل بركاني أحادي النشأة.
  • من نوع المخاريط الخبثية (Scoria cones).
  • نمط الثوران: هاوايي–سترومبولي.
  • نوع الحمم: بازلتية قلوية منخفضة اللزوجة.
  • ارتفاع أعمدة الرماد البركاني: بين 500 و1000 متر تقريباً.

ظاهرة توهج السماء البركاني لها حدود بطبيعة البركان وصفاته...

ظاهرة “توهج السماء البركاني” ليست ظاهرة سحرية يمكن أن يصنعها أي بركان، بل ترتبط بطبيعة البركان نفسه وخصائصه الفيزيائية.

فثوران حرة رهط كان ثوراناً بازلتياً من نمط المخاريط السكورية، وهذا النوع معروف بأنه ثوران محلي أرضي بالدرجة الأولى، وبالتالي يكون تأثيره الضوئي محلياً أيضاً.

فالحمم البازلتية القلوية منخفضة اللزوجة وسائلة نسبياً، مما يسمح بخروج الغازات بسرعة، فلا يتراكم الضغط الداخلي بما يكفي لإحداث انفجار هائل يقذف الرماد إلى طبقات الجو العليا.

ولهذا لم تتجاوز أعمدة الرماد البركاني في حرة رهط نحو 1 كم كحد أقصى، وهو ارتفاع ضعيف جداً، ولا يقترب أصلاً من اختراق طبقات الستراتوسفير المطلوبة لإنتاج توهج سماوي يُرى من مسافات تقارب ألف كيلومتر.

بمعنى أوضح: نحن لا نتحدث عن سوبرفولكانو انفجاري يقذف الرماد لعشرات الكيلومترات في السماء، بل عن ثوران أرضي محدود نسبياً، يكون تأثيره البصري في العادة والطبيعة الجيولوجية المعروفة محصوراً في محيطه القريب، لا على امتداد 950 كم.

إلى أي مدى بلغ التوهّج الناتج عن براكين مماثلة لحَرَّة رَهَط

تم توثيق براكين عديدة تفوق حَرَّة رَهَط من حيث شدة النشاط البركاني أو ارتفاع أعمدة الانفجار أو حتى مدة استمرار الثوران؛ سواء في التاريخ الجيولوجي الحديث أو في الثورات البركانية الكبرى المعروفة علميًا.

  • بركان Puʻu ʻŌʻō التابع لمنظومة Kīlauea

يُعدّ هذا البركان من أبرز الأمثلة على الثورات البازلتية طويلة الأمد، إذ استمر نشاطه من عام 1983 إلى عام 2018، أي لما يقارب خمسةً وثلاثين عامًا من النشاط البركاني شبه المتواصل، وتخللته في فترات متعددة تدفقات حممية متوهجة كان يُرى ضوؤها ليلًا في ظروف صفاء جوي مناسبة،

ومع ذلك، ظلّ هذا التوهّج في الغالب محدود الامتداد المكاني، إذ كان انعكاس الضوء من القنوات الحممـية يُرى أحيانًا من مسافات لا تتجاوز بضع أميال، رغم طول مدة الثوران وشدّة نشاطه في فترات متعددة، وهو ما يدلّ على أنّ هذا النمط من البراكين، على الرغم من استمراريته الزمنية، في أغلب الأحيان لا يُنتج توهّجًا بصريًا ممتدًّا على مسافات بعيدة.

المصدر دراسة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية

بركان فاغرادالسفيال (Fagradalsfjall)

يُفيد تقرير برنامج البراكين العالمي (GVP) بأن التوهّج البرتقالي الناتج عن ثوران بركان فاغرادالسفيال في آيسلندا شوهد على الأفق من منطقتي ريكجانيسباير وغريندافيك، على مسافة تقارب 10 كيلومترات جنوب غربي موقع الثوران. ويقع هذا الرصد ضمن نطاقات قريبة من مركز النشاط، حيث تُسجَّل عادة ظواهر التوهّج السمائي البركاني في حدود بصرية محدودة.

ورغم أن الثوران حديث وينتمي إلى نمط البراكين البازلتية الانسكابية ذات السمات القريبة من ثوران رهط، فإن التوهّج لم يتجاوز هذا النطاق القريب، بما يدلّ على أن هذا النوع من النشاط البركاني لا يُنتج عادة امتدادًا بصريًا بعيد المدى.

Global Volcanism Program – Weekly Volcanic Activity Report: Fagradalsfjall (Iceland), Smithsonian Institution.

بركان Sunset Crater: نظير جيولوجي أقرب إلى حَرَّة رَهَط

ويُعدّ بركان Sunset Crater من أقرب النماذج الجيولوجية إلى ثورانات حَرَّة رَهَط؛ إذ ينتمي إلى البراكين الأحادية النشأة، وتغلب عليه الحمم البازلتية القلوية ذات النمط السترومبولي، وهي الخصائص نفسها التي تُنسب إلى ثوران حَرَّة رَهَط.

“Digital elevational modeling indicates that the Sunset Crater fire fountain (260–660 m high) and ash plume (4–6 km high) were visible from distances as far as 100 km and 400 km, respectively.”

وتتجلى أهمية هذا المثال في كونه يكاد يطابق حَرَّة رَهَط من حيث البنية الجيولوجية ونمط الثوران، بل يفوقه بوضوح من جهة ارتفاع عمود الرماد؛ إذ إن التقديرات المتعلقة بحَرَّة رَهَط لا تتجاوز غالبًا نحو كيلومتر واحد. ومع ذلك، لم تتعدَّ الرؤية البصرية لعمود الرماد في Sunset Crater حدود 400 كيلومتر، رغم شدة الثوران وارتفاع عموده البركاني، وهو ما يُضعف فرضية امتداد التوهّج البركاني في هذا النوع من الثورات إلى مسافات استثنائية بعيدة . 950كم في حالتنا.

Variable effects of cinder-cone eruptions on prehistoric agrarian human populations in the American southwest, p. 370.

كيف تُضاف “البهارات” بمرور الزمن؟

نار الحجاز مثالاً

من المثير هنا مقارنة روايات المعاصرين لبركان حرة رهط بما أضافه المتأخرون لاحقاً. فكلما ابتعدنا زمنياً عن الحدث، بدأت التفاصيل الإعجازية تتضخم أكثر فأكثر.

السؤال المهم:

كم مؤرخاً أو عالماً عاصر الحادثة وكتب عنها؟

الجواب: عدد من الأسماء المعروفة، منهم:

اليونيني : المصدر

النووي : المصدر

البيضاوي : المصدر

القرطبي : المصدر

التوربشتي : المصدر

أبو شامة : المصدر

القطب القسطلاني : المصدر

لكن المفارقة أن معظمهم، رغم تفصيلهم في وصف النار وعظمتها، لم يذكروا إطلاقاً أن ضوءها بلغ بصرى أو أضاء أعناق الإبل هناك.

اليونيني

عاش في بلاد الشام، وذكر باختصار:

  • خرجت نار بالحجاز.
  • رآها أهل ينبع.
  • رآها أهل مكة.
  • رآها أهل الفلاة.

لكن: لم يذكر إطلاقاً أن أهل بصرى أبصروها.

البيضاوي

عاش في بلاد فارس، وقال:

“ولعل ذلك إشارة إلى ما حدث في أيامنا...”

وكلمة “لعل” وعبارة “إشارة” تكشفان أن الربط بين حديث البخاري وبركان الحجاز لم يكن عنده يقيناً قاطعاً، بل مجرد احتمال وتخمين.

ورغم حديثه عن عظمة النار وانتشار خبرها، لم يذكر وصول ضوئها إلى بصرى.

التوربشتي

ذكر أن النار بقيت نحو خمسين يوماً، وأنها كانت ترمي الحجارة المحماة بالنار.

لكنه أيضاً:

لم يذكر إطلاقاً أن أهل بصرى أبصروها.

القرطبي

هنا تظهر أول إشارة إلى بصرى، لكنه قال:

“وسمعت أنها رُئيت من جبال بصرى.”

أي أنها جاءت بصيغة:

  • “سمعت”
  • بلا إسناد
  • بلا شاهد مباشر
  • بلا تحديد للمصدر

مجرد خبر منقول بصيغة الشائعات.

يعني اول شخص ذكر بصرى ذكرها بكلام مجهول لا يُعرف صاحبه

النووي

والأمر هنا أكثر إثارة؛ فالنووي عاش في دمشق ونَوى، أي بالقرب من بصرى نفسها تقريباً.

ومع ذلك، حين تحدث عن النار قال:

“تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان.”

لكنه لم يقل إن أهل بصرى رأوا وهجها، ولا أنها أضاءت أعناق الإبل هناك.

ولو كان الحدث بهذه الضخامة الخارقة، لكان النووي من أوائل من ينقل ذلك، بحكم قربه الجغرافي.

لكن: لم يذكر إطلاقاً أن أهل بصرى أبصروها.

أبي شامة

عاش في دمشق

ذكر أن النار شوهدت من تيماء، وأن الناس كتبوا الكتب على ضوئها هناك.

" فأخبرني مَن أثق به ممّن شاهدها بالمدينة أنّه بلغه أنّه كُتِب بتيماء على ضوئها الكُتُب"

لكن: لم يذكر إطلاقاً أن أهل بصرى أبصروها.

القطب القسطلاني

سافر الى الشام والعراق واستقر في مكه

فصّل في خبر النار وذكر انتشار خبرها، لكنه كذلك:

لم يذكر إطلاقاً أن أهل بصرى أبصروها.

النتيجة

هل قال أحد من المعاصرين بوضوح إن النار أضاءت أعناق الإبل في بصرى؟

  • اليونيني: لم يذكر بصرى ❌
  • النووي: لم يذكر بصرى ❌
  • البيضاوي: لم يذكر بصرى + كان متشككاً ❌
  • التوربشتي: لم يذكر بصرى ❌
  • أبو شامة: لم يذكر بصرى ❌
  • القطب القسطلاني: لم يذكر بصرى ❌
  • القرطبي: نقلها بصيغة “سمعت أن” ⛔

وهنا تظهر آلية تضخم الروايات بمرور الزمن:

حادثة حقيقية تقع، ثم تبدأ المخيلة الدينية بإضافة “البهارات الإعجازية” تدريجياً، حتى يتحول الخبر بعد قرون إلى قصة خارقة مكتملة التفاصيل، رغم أن أغلب المعاصرين للحدث لم يذكروا تلك التفاصيل أصلاً.

وهم التواتر

كيف صُنعت “المعجزة” من رواية متهالكة؟

نحن هنا أمام “تواتر” متخيَّل صُنِع في الكتب المتأخرة، بينما تعجز المصادر المعاصرة للحدث عن تقديم سند واحد صحيح وصريح يثبت أن نور البركان شوهد من بصرى.

فالمؤرخون الذين عاصروا الحادثة وفصّلوا أخبارها ذكروا بدقة أن النار شوهدت من المدينة، ومكة، وينبع، وتيماء، وغيرها من المناطق القريبة نسبيًّا.

لكن المفارقة الصادمة هي اختفاء بصرى تماماً من هذه السجلات، رغم أن بعض هؤلاء المؤرخين عاشوا في الشام وفارس ومصر، أي في المجال الجغرافي نفسه أو بالقرب منه.

ولو كان الضوء قد اخترق الأفق فعلًا لمسافة تقارب ألف كيلومتر، كما يزعم الخطاب الإعجازي، لامتلأت سجلات دمشق والقاهرة وفارس بالحديث عن هذا المشهد الاستثنائي، لا أن يمرّ بصمت شبه كامل.

وعندما نبحث عن “الدليل” الذي يعتمدون عليه، نجد أن أغلبهم يستند في النهاية إلى الرواية الوحيدة التي نقلها ابن كثير بعد عقود من الحادثة، والتي تقول:

«أخبرني قاضي القضاة عن والده عن واحد من الأعراب...»

النهاية في الفتن والملاحم - ت محمد عبد العزيز – ابن كثير (١ ‏/ ٢٧)

​وهنا تنهار قصة “التواتر” بالكامل.

فنحن أمام سند تنتهي حلقته الأخيرة إلى مجهول: “أعرابي” لا يُعرف اسمه ولا حاله ولا ضبطه.

ومثل هذا الخبر لا يُبنى عليه يقين، فضلًا عن أن يُجعل أساساً لـ“معجزة كونية”.

ولو كانت رؤية النار من بصرى أمراً متواتراً حقاً، لما احتاج ابن كثير بعد عقود طويلة إلى الاستناد لرواية أعرابي مجهول.

الأمر في غاية البساطة:

إذا كانت مشاهدة النار من بصرى ثابتة ومتواترة، فأعطونا سنداً واحداً متصلاً صحيحاً.

طلب بسيط جداً.

أليس التواتر ـ في الأصل ـ هو نقل جمعٍ غفير يمتنع تواطؤهم على الكذب؟

فأين هذا الجمع الغفير؟

بل يبدو أن الرواية لم تثبت حتى بطريق الآحاد، فكيف قفزت فجأة إلى مرتبة “التواتر” و”الإعجاز”؟

لو حدث حقاً… لملأ الدنيا

في القرن الثالث عشر الميلادي (654هـ)، لم تكن هناك مصابيح كهربائية ولا تلوث ضوئي؛ كان الليل ليلاً حقيقياً بكل معنى الكلمة، وأي وميض غير مألوف في الأفق كان يتحول إلى حدث استثنائي يلفت الأنظار ويهزّ المخيلة الشعبية.

حتى إن الناس في ذلك العصر كانوا يربطون مرور الشهب بولادة العظماء أو موتهم، كما تعكسه بعض التصورات الدينية القديمة. فكيف بظاهرة يُقال إنها أضاءت السماء حتى ظهرت أعناق الإبل على بعد يقارب ألف كيلومتر؟

نحن هنا لا نتحدث عن “تفصيلة جانبية”، بل عن خرق بصري هائل للعادة، لا يمكن أن يمر مرور الكرام أو يُحمَل على ظاهرة مألوفة.

فأي ظاهرة طبيعية يألفها الإنسان تجعله يرى الليل مضيئاً إلى درجة ظهور أعناق الإبل بوضوح؟

حتى ضوء القمر نفسه لا يفعل ذلك إلا بصعوبة وفي ظروف معينة.

ثم إن ثوران حرة رهط لم يكن ومضة عابرة، بل استمر قرابة شهرين كاملين.

ولهذا أقول: لو حدث الأمر فعلاً بهذه الصورة الخارقة، لانتشر خبره في كل مكان.

لكانت سجلات القاهرة، ودمشق، والقدس، وبلاد فارس، ومختلف مدن الشام مليئة بوصف هذا المشهد المذهل. فكيف يُقال إن الضوء بلغ بصرى، بينما لا نجد أثراً واضحاً له في المدن الأقرب أو الأكبر أهمية منها؟

بل إن معظم المؤرخين الذين نقلوا خبر البركان كانوا يعيشون أصلاً في دمشق ومحيط بصرى وبلاد فارس، أي إنهم نظرياً أقرب الناس إلى رصد مثل هذه الظاهرة لو وقعت فعلاً.

والأهم من ذلك أن بعض كبار علماء الحديث أنفسهم لم يتعاملوا مع الرواية باعتبارها حقيقة متواترة محسومة.

وقد تضمن الحديث في ذكر النار ثلاثة أمور: خروجها من الحجاز، وسيلان وادٍ منه بالنار وقد وجدا، وأما الثالث وهو إضاءة أعناق الإبل ببصرى فقد جاء من أخبر به فإذا ثبت هذا فقد صحّت الإمارات وتمت العلامات وإن لم يثبت فيحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه المبالغة، وذلك في لغة العرب سائغ.

— إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية – القسطلاني (١٥ ‏/ ٦٦)

فالإمام القطب القسطلاني، المتوفى سنة 923هـ، جاء بعد الحادثة بأكثر من قرنين، أي في زمن يُفترض أن “التواتر” قد استقر فيه لو كان حقيقياً. ومع ذلك، لم يتعامل مع الخبر بيقين، بل استخدم عبارات المتثبت المتردد، فقال: “إن ثبت” و“إن لم يثبت”.

وهذا وحده كافٍ لنسف دعوى “التواتر القطعي”.

بل إن القسطلاني اقترح تفسيراً مجازياً لعبارة:

«تضيء أعناق الإبل ببصرى»

أي أنها قد تكون مجرد أسلوب عربي للمبالغة في وصف عظمة النار وشدتها، لا وصفاً حرفياً لحدث بصري وقع فعلاً.

ولجوء القسطلاني إلى هذا التأويل المجازي ليس أمراً عابراً، بل اعتراف ضمني بأن الواقع التاريخي لم يكن مستقراً ولا يقينياً كما يصوره الخطاب الإعجازي المعاصر.

فلو كانت أعناق الإبل قد أضيئت فعلاً في بصرى، وكان ذلك متواتراً عند الناس، فلماذا احتاج القسطلاني أصلاً إلى طرح احتمال المجاز؟ أليس التواتر — بحسب تعريفهم — يفيد اليقين؟

أم أن القضية، في النهاية، ليست سوى “تواتر” متخيَّل صُنع لاحقاً ثم جرى التعامل معه كأنه حقيقة قطعية؟

ومن المعاصرين أيضاً عبدالباسط بدر، وهو أكاديمي وباحث ومؤسس مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.

ففي كتابه المدينة المنورة في عهد الزنكيين والأيوبيين والمماليك :

مع أن الحديث الشريف لا ينص على أن هذه النار ستكون بالمدينة ضرورة بل بالحجاز، والحجاز إقليم واسع يمتد من جنوبي مكة إلى حدود الأردن......وناقش القطب القسطلاني الذي شك في أن تكون هذه النار قد رؤيت في بصرى،
ولو ناقشنا الرواية التي نقلها ابن كثير واحتج بها السمهودي لوجدنا أنها تحتمل الشك، لأن الراوي الأول هو أعرابي لا ندري مدى صدقه، ولو صحت إضاءة هذه النار لأعناق الإبل في بصرى لكانت خارقة تتواتر فيها الأحاديث، خاصة وأن النار قد استمرت مدة شهرين إلى ثلاثة أشهر، ولكنا لا نجد إلا رواية ذلك الأعرابي المجهول؟ ومع يقيننا الذي لا يتطرق إليه الشك أن النار التي ذكرت في الحديث الصحيح هي إحدى علامات الساعة، لأن

المدينة المنورة في عهد الزنكيين الأيوبيين والمماليك - المجلد 1 - الصفحة 108 - جامع الكتب الإسلامية

يصرّح بأن دعوى رؤية النار من بُصرى لم تثبت تاريخياً، وينتقد الاعتماد على رواية الأعرابي المجهول.

بل يذهب أبعد من ذلك، فيرى أن الحديث لا يلزم أن يكون المقصود به ثوران حرة رهط أصلاً؛ لأن النص لم يقل: “نار تخرج من المدينة” أو “من حرة رهط”، وإنما قال:

«نار تخرج من الحجاز»

ولذلك رجّح أن الحديث قد يشير إلى نارٍ أخرى مستقبلية في آخر الزمان، لا إلى بركان سنة 654هـ.

كما أشار إلى أن وصول الضوء إلى بصرى ـ لو وقع فعلاً ـ لكان حدثاً خارقاً ضخماً يستحيل تقريباً أن يمرّ دون تواتر حقيقي واضح، ونقل كذلك تشكك القسطلاني وتأويله المجازي للرواية.

والمفارقة أن الاعتراضات التي يحاول الخطاب الإعجازي المعاصر تجاهلها اليوم، قد طرحها باحثون وعلماء مسلمون أنفسهم، قديماً وحديثاً.

الحرات البركانية في الإدراك العربي القديم

من الأخطاء الشائعة في الخطاب الإعجازي تصوير “نار الحجاز” وكأنها فكرة خارقة لم تخطر ببال أحد قبل الحديث النبوي، بينما الواقع أن العرب في الجاهلية كانوا يربطون الحرات بالنار أصلاً، بل ويطلقون على بعضها اسم “حَرَّة النار”.

فنجد في أسماء الحرات القديمة:

  • حرة الرجلاء
  • حرة بني سليم
  • حرة ليلى
  • حرة واقم
  • حرة النار

بل إن اسم “حرة النار” حاضرٌ أصلًا في الشعر الجاهلي قبل الإسلام بوضوح.

  • يقول النابغة الذبياني:
إِمّا عُصيتُ فَإِنّي غَيرُ مُنفَلِتٍ - مِني اللِصابُ فَجَنبا حَرَّةِ النارِ
تُدافِعُ النَّاسَ عَنَّا، حينَ نَرْكَبُها - مِنَ المَظَالِمِ تُدْعى أُمَّ صَبَّار

المصدر

والمثير أن “أم صبار” هو نفسه اسم آخر للحرة كما تذكر المصادر²:

“وقيل: أم صبّار حرة النار.”

  • وقال شاعر آخر:
ما إن لمرّة من سهل تحلّ به - و لا من الحزن إلا حرّة النار
  • وقال أبي المُهَنَّد بن معاوية الفزاري:
كانتْ لنا أجبالُ حِسمى فاللِّوى - وحَرَّةُ النارِ فهذا المُستوى
ومن تميمٍ قد لقينا باللِّوى - يومَ النِّسارِ وسَقَيْناهم رَوَى

هذه النصوص تكشف بوضوح أن تسمية “حرة النار” تسمية جاهلية سابقة للإسلام، وليست وصفاً وُلِد بعد حادثة بركان رهط.

وهنا يظهر السؤال المحرج:

كيف ربط الجاهليون الحرات بالنار أصلاً؟

الجواب بسيط للغاية.

فالعرب كانوا يشاهدون الصخور السوداء المحترقة المنتشرة في تلك المناطق، ويستنتجون بداهةً أن النار كانت هنا قديماً.

بل إن هذا المعنى نفسه محفوظ في المعاجم العربية القديمة.

  • جاء في المعجم :
الحَرَّة : أرضٌ ذات حجارة سُود كأَنَّها أُحْرِقَتْ

المصدر

  • وقال الجوهري
والحَرَّةُ: أرضٌ ذاتُ حجارة سودٍ نخرةٍ كأنَّها أحرِقَتْ بالنار

المصدر

  • قال الخليل بن أحمد
والحَرُّةُ: أرض ذاتُ حِجارة سُودٍ نَخِرة كأنَّما أُحرِقَتْ بالنار

المصدر

وهذا مهم جداً؛ لأن الخليل بن أحمد عاش بين (100هـ – 170هـ)، أي قبل تدوين كثير من الروايات المتأخرة المتعلقة ببركان رهط، ما يعني أن هذا المعنى لم يُختلق بعد البركان، بل كان معنى عربياً قديماً متجذراً.

وبالتالي ففكرة أن “الحرات مواضع نار” لم تكن غيباً ولا معجزة، بل استنتاجاً طبيعياً لأي إنسان يرى أرضاً مليئة بصخور سوداء محترقة.

فالإنسان حين يرى آثار الاحتراق، يستنتج تلقائياً أن ناراً كانت هنا يوماً ما.

وكما يقول المثل:

البعرة تدل على البعير والصخور المحترقة تدل على نار قديمة

أسطورة خالد بن سنان

حين كان العرب يتحدثون عن “براكين الحرات” قبل الإسلام

من أكثر النصوص إثارة هنا أسطورة خالد بن سنان العبسي، التي تتحدث عن نار عظيمة خارجة من الحرات، ذات دخان هائل، ولهيب يضيء الليل، وتندفع منها ألسنة نار تحرق ما أمامها.

قال ابن الفقيه ت 370 هـ :

ونار أخرى وهي نار الحرّتين، وهي نار خالد بن سنان أحد بني مخزوم من بني قطيعة بن عبس- وكان يقال نبي- ولم يكن في بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام نبي قبله. وهو الذي أطفأ نار الحرة وكانت ببلاد بني عبس حرة تسطع بالنهار دخانا وتتقد بالليل نارا، وربما ندرت منها العنق فأتت على كل شيء تناله

البلدان لابن الفقيه – ابن الفقيه (٥٠٩)

قال الجاحظ ت 255 هـ

نار الحرّتين. وكانت ببلاد بني عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّئ تنفش بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربّما ندرت منها العنق فتأتي على كلّ شيء فتحرقه. وإذا كان النهار فإنما هي دخان يفور. فبعث الله خالد بن سنان فاحتفر لها بئرا، ثمّ أدخلها فيها، والنّاس ينظرون؛ ثمّ اقتحم فيها حتى غيّبها

الحيوان – الجاحظ (٤ ‏/ ٤٩٧)

بل حتى الشعر الجاهلي يذكرها، إذ قال أحد الشعراء :

كنار الحرّتين لها زفير ... يصمّ مسامع الرّجل السّميع

الحيوان – الجاحظ (٤ ‏/ ٤٩٨)

وكلمة “الزفير” في العربية تدل على الصوت الشديد المرتفع.

وعندما نقرأ هذه الأوصاف مجتمعة نار تضيء الليل، دخان يفور نهاراً، ألسنة تندفع فتحرق ما أمامها، وصوت هائل فنحن عملياً أمام وصف بركاني شبه صريح.

والمفارقة أن هذا الوصف أكثر تفصيلاً وواقعية من كثير من نصوص “نبوءات النار” التي يُراد تحويلها اليوم إلى إعجاز غيبي.

فإذا افترضنا أن القصة مختلقة، يبقى السؤال المحرج:

كيف استطاع مؤلف في القرون الهجرية الأولى أن يبتكر من خياله وصفاً قريباً إلى هذا الحد من السلوك البركاني، إذا كان العرب كما يُقال لا يعرفون شيئاً عن البراكين؟

من أين جاءت فكرة نار تخرج من الحرة، ودخان يفور، ولهيب يتحرك ويحرق ما أمامه، وصوت أشبه بالزفير؟

إن وصف الجاحظ وابن الفقيه يكشف أن العرب لم يكونوا بحاجة إلى “نبوءة” ليتصوروا خروج النار من الحرات، بل يبدو أنهم كانوا يملكون إرثاً قصصياً ومعرفة شعبية مرتبطة بهذه البيئات البركانية منذ زمن مبكر.

ويبقى الاحتمال الأقرب أحد أمرين:

  • إما أن المنطقة شهدت نشاطاً بركانياً أو آثاراً متوارثة عنه قبل القرون الهجرية الأولى، فصيغت القصة اعتماداً على تلك المشاهدات والآثار.
  • أو أن للقصة أصلاً جاهلياً حقيقياً، ثم أُضيفت إليها المبالغات والأسطرة لاحقاً، كما يحدث عادة في الروايات الشعبية القديمة.

وسنرى لاحقاً قرائن تجعل احتمال الأصل الجاهلي للقصة أقوى مما يظنه كثيرون.

قرائن تُرجّح أن للقصة أصلاً جاهلياً

القرينة الأهم هنا أن “حرة خالد بن سنان” هي نفسها على الأرجح “حرة النار” التي تحدثنا عنها سابقاً، أي حرة بني عبس.

فالمعادلة تصبح واضحة:

حرة عبس = حرة النار = موضع خروج النار في أسطورة خالد بن سنان

وهذا يفسّر سبب التسمية نفسها؛ إذ يبدو أن ربط الحرة بالنار لم يكن مجرد خيال عابر، بل مرتبطاً بوجود موروث قديم عن نار كانت تخرج منها.

ويزداد الأمر قوة عندما نلاحظ أن مصطلح “حرة النار” حاضر بالفعل في الشعر الجاهلي بوصفه اسماً جغرافياً معروفاً، لا اختراعاً متأخراً

فـالجاحظ ت 255 هـ ينقل عن نار الحرتين قوله:

"نار الحرّتين. وكانت ببلاد بني عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّئ تنفش بها إبلها من مسيرة ثلاث"

بينما يقول النابغة الذبياني قبل الإسلام بقرون:

إِمّا عُصيتُ فَإِنّي غَيرُ مُنفَلِتٍ - مِني اللِصابُ فَجَنبا حَرَّةِ النارِ

فوجود اسم “حرة النار” في الشعر الجاهلي، ثم ظهور قصة خالد بن سنان في كتب المتقدمين بوصفها ناراً تخرج من حرة بني عبس، يشكل قرينة قوية على أن للقصة جذوراً أقدم من العصر الإسلامي، حتى لو دخلتها لاحقاً المبالغات والأسطرة المعتادة في الروايات الشعبية.

البراكين كانت معروفة للعرب قبل “نبوءة” الحجاز

إن يتقوّل عربي في القرن السابع نبوءة عن خروج النار من الحرات، فهذا لا يعني أنه امتلك علماً غيبياً؛ بل هو يصف ظاهرة كانت معروفة ومشاهدة في محيطه الجغرافي والثقافي.

1- بركان حرة خيبر في القرن السابع الميلادي

تشير الدراسات الجيولوجية الحديثة إلى حدوث ثوران بركاني في حرة خيبر خلال الفترة بين 600–700م، أي في نفس العصر الذي عاش فيه محمد تقريباً، بل من المحتمل جداً أن بعض الصحابة والتابعين عاصروه أو سمعوا خبره مباشرة.

المصدر من موقع الناسا NASA

المصدر : هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)

والأهم أن جميع أسانيد حديث “نار الحجاز” تدور أساساً حول السلسلة التالية:

التابعي الزهري ← التابعي سعيد بن مسيب ← الصحابي ابو هريرة

محمد بن شهاب الزهري توفي سنة 742م.

سعيد بن المسيب توفي سنة 715م.

أبو هريرة توفي سنة 679م.

وسعيد بن المسيب عاش في المدينة المنورة نفسها، بينما يُرجَّح أن ثوران حرة خيبر وقع نحو 640م تقريباً.

أي أن الزهري وسعيداً وأبا هريرة جميعهم كانوا ضمن البيئة الزمنية التي عاصرت النشاط البركاني أو عاشت قريباً منه.

وبالتالي فالنص لا يحتاج إلى “إعجاز غيبي” لتفسيره؛ إذ يمكن ببساطة فهمه بوصفه انعكاساً لواقع معروف ومشاهد في المنطقة.

سواء قيل إن محمداً صاغ الرواية بأثر رجعي، أو أن بعض عناصرها تشكلت لاحقاً عبر أبي هريرة أو سعيد أو الزهري، فالنتيجة واحدة:

نحن أمام خطاب وُلِد داخل بيئة تعرف الحرات والنيران البركانية، لا أمام معرفة مستحيلة على أهل ذلك العصر.

2- بركان حرة الراحة Ar rahah

تشير المعطيات الجيولوجية إلى أن حرة الرَّاحة (Harrat ar Rahah)، الواقعة في شمال غرب الجزيرة العربية، تُعد جزءًا من حزام الحرات البركانية النشطة في العصور الجيولوجية المتأخرة. وقد سجّلت بعض الدراسات مؤشرات على نشاط بركاني في هذه المنطقة خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين عامي 500 و650 ميلادية، وهي فترة تسبق البعثة النبوية بقليل وتتقاطع مع أواخر العصر الجاهلي وبدايات العصر الإسلامي.

يشير هذا الإطار الزمني إلى احتمال حدوث نشاط بركاني حديث نسبيًا في شمال غرب الجزيرة العربية، بما يكفي لترك أثر في الذاكرة البيئية للسكان. وعليه، يُستفاد منه في ترجيح معرفة العرب بهذه الظواهر، سواء بالمشاهدة المباشرة أو بالتداول الشفهي، دون افتراض مبالغ فيه لمدى انتشارها أو وعيهم التفصيلي بها.

Geologic Map of the Saudi Arabian Shield (Open-File Report 83-788), pp. 42, 70.

3- براكين صنعاء و حرة أرحب

ولم تكن الحجاز وحدها تعرف النشاط البركاني.

فالدراسات الجيولوجية تشير أيضاً إلى حدوث ثورانين بركانيين في حرة أرحب قرب صنعاء اليمن:

  • أحدهما بعد سنة 200م.
  • والآخر بين 400–600م

المصدر : هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)

أي أن فكرة خروج النار من الحرات لم تكن أمراً خيالياً عند العرب، بل ظاهرة مرتبطة بذاكرتهم الجماعية.

والأهم أن حرة أرحب لم تكن صحراء معزولة، بل منطقة مأهولة تسكنها قبائل أرحب من همدان، ما يعني أن أخبار تلك الثورانات وآثارها كان من الطبيعي أن تبقى متداولة بين الناس لأجيال طويلة.

بل إن بعض الصحابة أنفسهم ينتمون إلى تلك البيئة، مثل :

وهنا تصبح شخصية أبي رهم الأرحبي مثيرة للاهتمام.

فالمصادر تذكر أنه هاجر إلى النبي وهو ابن 150 سنة.

وطبعاً هذا الرقم يحمل مبالغة واضحة، لكن حتى لو افترضنا أنه عاش 100 سنة فقط، فهذا يجعله على الأقل من جيل قريب جداً من ثورانات حرة أرحب، وربما شاهداً مباشراً أو ناقلاً لذاكرة حية عنها.

ومن اللافت أن روايات “النار الخارجة من اليمن” تنتشر تحديداً في هذا الوسط اليمني نفسه.

وبالتالي، ففكرة “النار الخارجة من الحرات” لم تكن كشفاً غيبياً مفاجئاً، بل جزءاً من الذاكرة الجغرافية والأسطورية للعرب قبل الإسلام وفي بداياته .


كتابات ماكس - Max's Writings

كتابات ماكس - Max's Writings

ملحد