حيث تتلاشى الخرافة

تفنيد إعجاز الأمواج العميقة في القرآن

بحثٌ يناقش دعوى الإعجاز العلمي في آية البحر اللجي، ويستعرض تفسير جمهور المفسرين للآية، مع تتبّع فكرة “الأمواج العميقة” في الحضارات والأساطير السابقة للإسلام، لبيان أن الفكرة ليست اكتشافًا علميًا فريدًا.

تفنيد إعجاز الأمواج العميقة في القرآن

المحور الأول : بيان الدعوى

يستدلّ أنصار الإعجاز العلمي بقول القرآن :

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور: 40]

ويزعمون أن الآية تشير إلى وجود أمواج داخلية أو عميقة في البحار، وهي ظاهرة لم يكتشفها العلم الحديث بحسب قولهم إلا في العصر المعاصر. ومن هنا يخلصون إلى أن ورود هذه المعلومة في القرآن يستحيل أن يكون من معرفة بشرية في زمن النبي، مما يجعلها في نظرهم دليلًا على مصدر إلهي للنص.

المحور الثاني : معنى الآية عند جمهور المفسّرين

قبل القفز إلى التفسير الإعجازي الحديث، من المهم الرجوع إلى كيفية فهم المفسّرين للآية عبر القرون، لأن تفسير النص يُؤخذ أولًا من سياقه اللغوي وأقوال أهل التفسير، لا من إسقاطات علمية معاصرة.

فعند مراجعة كتب التفسير القديمة والمعتمدة، نجد أن جمهور المفسرين فهموا الآية على أنها تصويرٌ بلاغيّ لمشهد بحرٍ شديد الظلمة، تتراكم فوقه الأمواج والسحب، من أجل تشبيه حال الكافر في الضلال والحيرة، لا الحديث عن “أمواج داخلية” في أعماق المحيطات.


  • تفسير ابن القيم :
تصويرٌ لحال هذا المُعرِضِ عن وَحْيِه، فشَبَّه تلاطُمَ أمواجِ الشُّبَهِ والباطِلِ في صدرِه بتلاطُمِ أمواجِ ذلك البحرِ، وأنَّها أمواجٌ بعضُها فوقَ بَعضٍ.

— التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم – ابن القيم (٤٠٠)

  • تفسير الشوكاني :
(يجتمِعُ حينئذٍ عليهم خوفُ البحرِ وأمواجِه، والسحابِ المرتفعِ فوقَه. وقيلَ إِنَّ المعنَى: يَغشاهُ موجٌ مِن بعدِ موجٌ، فيكونُ الموجُ يَتْبَعُ بعضُه بعضًا حتَّى كأنَّه بعضَه فوقَ بعضٍ، والبحرُ أخوفُ ما يكونُ إذا توالَتْ أمواجُه، فإذا انْضَمَّ إلى ذلك وجودُ السَّحابِ مِن فوقِه، زادَ الخوفُ شِدَّةً، لأنَّها تَسْتُرُ النُّجومَ الَّتي يَهْتَدي بها مَن في البحرِ، ثمَّ إذا أمطَرت تلك السحبُ وَهَبَّتِ الرِّيحُ المعتادَةُ في الغالبِ عندَ نُزولِ المطرِ، تكاثَفَتِ الهمومُ، وترادَفَتِ الغمومُ، وبَلَغ الأمرُ إلى الغايةِ الَّتي ليسَ وراءَها غايةٌ).

— فتح القدير للشوكاني – الشوكاني (٤ ‏/ ٤٦)

  • تفسير ابن كثير :
(يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يدري أين يذهب، ولا [هو] يعرف حال من يقوده، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري.
وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: (يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ) يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر

تفسير ابن كثير - ت السلامة – ابن كثير (٦ ‏/ ٧١)

  • تفسير ابنُ عثيمين :
(قَولُه: يَغْشَاهُ مَوْجٌ بمعنى: يغطِّي هذا الكافِرَ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ أيضًا؛ أمواجٌ عاليةٌ، لكنْ ما حَدُّ الموجِ الثاني مِن الأوَّلِ؟ يعني: ما الذي يميِّزُ الموجَ الثَّانيَ عن الموجِ الأوَّلِ؟ الجوابُ: إمَّا أن يقالَ بالاتِّجاهِ، يعني: الأمواج تتلاقى؛ موجٌ يأتي مِن هنا، والثَّاني أعلى منه، أتى مِن جهةٍ ثانيةٍ؛ مِن أجْلِ أن يتبيَّنَ عُلوُّ هذا على ذاك، أو أنَّها أمواجٌ مُتلاحِقةٌ، مثلًا مَوجٌ مُقبِلٌ كارتفاعِ الجبَلِ، ووراءَه موجٌ آخَرُ أعلى منه، فإذا لَحِقَه صار مَوجًا مِن فَوقِه مَوجٌ، وأمَّا أنَّه موجٌ واحِدٌ فلا يمكِنُ أن يُفصَلَ بَعضُه عن بعضٍ، ومَن شاهَد البحرَ وجد الأمرَ كذلك؛ تجِدُ أمواجًا متلاحِقةً، أحيانًا إذا انعكس الهواءُ تتقابَلُ، وأحيانًا تتلاحَقُ)

— تفسير العثيمين: النور – ابن عثيمين (٢٧٨)

  • تفسير فتح البيان للقنوجي :
(في بحر لجيّ) معظم الماء، والجمع: لجج، وهو الذي لا يدرك عمقه، ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى فقال: (يغشاه) أي: يعلو هذا البحر (موج) فيستره، ويغطيه بالكلية، والموج: ما ارتفع من الماء، ثم وصف هذا الموج بقوله: (من فوقه) أي من فوق هذا الموج (موج) ثان متراكم فيه إشارة إلى كثرة الأمواج، وتراكم بعضها فوق بعض…

— فتح البيان في مقاصد القرآن – صديق حسن خان القِنَّوجِي (٩ ‏/ ٢٣٨)

  • تفسير السعدي :
ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت الظلمة جدا، بحيث أن الكائن في تلك الحال ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مع قربها إليه، فكيف بغيرها، كذلك الكفار…

— تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن – عبد الرحمن السعدي (٥٦٩)

  • البسيط للواحدي :
ومعنى ﴿لُجِّيٍّ﴾ له لجَّة، ولجتُه حيث يبعد عمقه، فهو بمعنى العميق، كما ذكره أهل التفسير. قال مقاتل: والبحر إذا كان عميقًا كان أشد لظلمته. وقوله ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ أي  يَــعْلو ذلك البحر اللجّي موج. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ قال ابن عباس: يريد موجًا من فوق الموج(٢٦).

— التفسير البسيط – الواحدي (١٦ ‏/ ٣١١)

  • تفسير الدرر السنية :
يَعلو ذلك البَحرَ اللُّجِّيَّ مَوجٌ، ومِن فوقِ الموجِ مَوجٌ آخَرُ يَعلوه، ومِن فَوقِ الموجِ الثَّاني سَحابٌ مُظلِمٌ.

موسوعة التفسير للدرر السنية

الشرح الإجمالي لتفسير الآية : 

تُمثّل الآية صورة حية لحالة الكافر الضائع في ظلمات الكفر والضلال، حيث لا يرى أمامه طريقاً للنجاة، وكأنّه يُبحر في بحر هائجٍ دون بوصلةٍ أو ضوءٍ يُرشده.

فالآية إذا تشير إلى صعوبة هداية الكافرين الذين يبتعدون عن وحيه، ويشبه قلبهم ببحرٍ عميقٍ مظلمٍ، تتلاطم فيه الأمواجُ العاتيةُ، وتُغطّيه الغيومُ السوداءُ الكثيفةُ.

أمثلة للتوضيح :

  • تخيل شخصًا يقف في وسط بحر عظيم، تحيط به الأمواج العاتية من كل جانب، والسماء مغطاة بسحب كثيفة، لا يرى فيها شمسًا ولا قمرًا. هذا الشخص يشعر بالخوف والضيق، لا يدري أين يذهب ولا ماذا يفعل.


  • لنفترض رجلاً يُبحر في قارب صغير وسط بحر هائج. يواجه أمواجاً عاتية تتلاطم فوقه، وفوقها سماءٌ مُلبّدةٌ بسحبٍ سوداء تُخفي النجومَ والضوءَ. في هذه الحالة، يشعر الرجل بالخوفِ والضياعِ، فلا يرى أمامه شيئاً ولا يدري أين يتجه.

المحور الثالث: هل فكرة “الأمواج العميقة” جديدة أصلًا؟

إذا كان مجرد ذكر “موج فوق موج” أو “أمواج عميقة” يُعدّ سبقًا علميًا خارقًا، فسنجد أنفسنا مضطرين لتطبيق المنطق نفسه على حضارات وأساطير سبقت الإسلام بقرون طويلة.

ففي الموروث اليوناني القديم نجد شخصية تُدعى Benthesikyme، وهي ابنة إله البحر بوسيدون. واسمها اليوناني Βενθεσικυμη مركّب من:

  • benthos = العمق
  • kyma = الموج

أي أن معنى الاسم حرفيًا: “سيدة الأمواج العميقة” أو “الموجة العميقة”.

المصدر

وهنا تظهر المفارقة:

اليوم يتحدث البعض عن “الأمواج العميقة” أو “الأمواج الداخلية” باعتبارها اكتشافًا علميًا حديثًا، ثم يُقدَّم أي نص قديم يذكر الموج في العمق بوصفه إعجازًا علميًا. لكن إذا اتبعنا هذا المنهج، فسنضطر أيضًا للقول إن الإغريق امتلكوا هم كذلك معرفة خارقة بالمحيطات قبل آلاف السنين.

بل يمكن بنفس طريقة الاستدلال الإعجازي صياغة الحجة على النحو التالي:

  • الإغريق تحدثوا عن “موجة عميقة”.
  • والعلم الحديث اكتشف “الأمواج العميقة”.
  • إذن لا بد أن لديهم معرفة متقدمة سبقت عصرهم!


لكن هذا النوع من الاستدلال قائم على التشابه اللفظي لا أكثر، ولا يُثبت وجود معرفة علمية دقيقة. فالبشر منذ القدم كانوا يربطون البحر بالأعماق والحركة والأمواج، ومن الطبيعي أن تظهر تعبيرات مثل “الموج العميق” أو “البحر العميق” في الأساطير واللغة والشعر دون أن يعني ذلك اكتشافًا علميًا لظاهرة فيزيائية محددة.

ولهذا فإن مجرد وجود عبارة يمكن إسقاطها لاحقًا على مفهوم علمي حديث لا يكفي لإثبات الإعجاز، وإلا لوجب اعتبار كثير من الأساطير القديمة “معجزات علمية” أيضًا.

الأَعْرَاف - Al a3raf

الأَعْرَاف - Al a3raf

مجموعة لادينية مَوضوعية مهتمة بنقد النبوات