ردود السّلف على الإعجاز العلمي في آية ﴿ السَّمَاء بنيناها بأيد وَإِنَّا لموسعون﴾
عرضٌ موثّق لأقوال السلف والمفسرين حول معنى قوله تعالى ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، مع مناقشة دعوى الإعجاز العلمي المتعلقة بتمدد الكون، وبيان أن غالب التفسيرات التراثية فسّرت الآية بمعاني القدرة والسعة والقوة لا التوسع الكوني بالمعنى العلمي الحديث.
كتاب الموسوعة القرآنية ﴿إبراهيم الإبياري﴾ :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ:
بَنَيْناها بِأَيْدٍ أحكمناها بقوة.
لَمُوسِعُونَ لقادرون على أكثر من ذلك.
تفسير الماتريدي - تأويلات أهل السنة ﴿أبو منصور الماتريدي﴾ :
وقوله : (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ).
أي: خلقناها بقوة، (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي: لقادرون.
وجائز أن يكون الموسع : الواجد؛ كقوله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ)، أي: على الواجد الموسر قدره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) في التدبير، تدبير جميع الخلق عليهم أرزاقهم.
التفسير المنير ﴿الزحيلي﴾ :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي ولقد بنينا السماء بقوة وقدرة، وإنا لذوو قدرة وسعة على خلقها وخلق غيرها، فنحن قادرون، لا نعجز عن ذلك، ولا يمسنا تعب ولا نصب. وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان. وقوله: ﴿بِأَيْدٍ﴾ تأكيد لذلك، وقوله: ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مزيد تأكيد.
الروايات التفسيرية في فتح الباري :
وروى ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح قال ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ قال: أن نخلق سماء مثلها.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لموسعون﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ يسع قدرتنا أَن تخلق سَمَاء مثلهَا، وَيُقَال: ﴿وَإِنَّا لموسعون﴾ أَي : فِي وسعنا خلق مَا هُوَ أحكم وَأَرْفَع من هَذِه السَّمَاء الَّتِي ترونها، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن هَذَا الَّذِي خلقنَا لَيْسَ هُوَ جهد قدرتنا، فَإِن فِي وسعنا أَن نخلق أَمْثَال هَذَا وأضعافه. وَيُقَال: وَإِنَّا لموسعون أَي: فِي رزق الْعباد. وَيُقَال: فِي تَدْبِير أَمر الْعباد.
التيسير في التفسير ﴿أبو حفص النسفي﴾ :
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: أي: لنا سَعَةُ خَلْقِها، وخَلْقُ مِثْلِها، وخَلْقُ ما شِئْنا.
تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير :
المعنى لـ ﴿لَموسعون﴾ : هذا على أنه من الوسع : إن هذه القبة التي أحاطت بكم من جميع الأرجاء، نحن بنيناها بقدرتنا ذلك البناء المحكم المتقن، بنيناها ونحن على قوتنا وقدرتنا نقدر على بناء أعظم منها لو شئنا، ونحن على قدرتنا وطاقتنا في إفاضة الخيرات والبركات منها عليكم. هذا على أنه من السعة : أو بنيناها وقد وسعنا أديمها حتى أحاطت بهذه الأجرام السابحة التي منها ما لا يكون معه جرم الكرة الأرضية إلاّ كحمصة فوق مائدة كبيرة.
الجامع الصحيح للسنن والمسانيد ﴿صهيب عبد الجبار﴾ :
قَالَ الْبُخَارِيُّ ج٦ص١٣٩: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾: أَيْ: لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرَهُ﴾ (٢) يَعْنِي: القَوِيَّ.
موسوعة التفسير المأثور ﴿مجموعة من المؤلفين﴾ :
سورة الذاريات← ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
- قال عبد الله بن عباس: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ قادرون.
- قال عبد الله بن عباس: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ لَمُوسعون الرّزق على خَلْقنا.
- قال الضَّحّاك بن مُزاحِم: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أغنياء.
- قال الحسن البصري: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مُطيقون.
- عن ابن أبي نجيح، في قوله: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾، قال: أن نخلق سماء مثلها.
- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾، يعني: نحن قادرون على أن نُوسعها كما نريد.
ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق ﴿ حمود بن عبد الله الويجري ﴾ :
فهذه أقوال السلف في تفسير الآية وهم أعلم بكتاب الله من جهلة العصريين الذين يتأولون القرآن على غير تأويله ويحملونه على ما يوافق آراء الإفرنج وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة.
الوجه الثالث : أن الله تعالى أخبر في عدة آيات من القرآن أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وفيها أوضح دليل على أن الله تعالى أتم خلق السموات وفرغ منهن في تلك الأيام الستة، وفي ذلك رد على من زعم أن السموات لا تزال تتسع.
وبزيد ذلك إيضاحا قول الله تعالى في سورة السجدة ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ :
قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره: يقول تعالى ذكره ففرغ من خلقهن سبع سموات في يومين وذلك يوم الخميس ويوم الجمعة، ثم روى بإسناده عن السدي قال استوى إلى الماء وهي دخان من تنفس السماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض.
وقال البغوي في قوله تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: أتمهن، وفرغ من خلقهن.
وقال القرطبي في تفسيره. قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: أكملهن وفرغ منهن. وقيل أحكمهن.
قلت : ومن زعم أن السموات لا تزال تتسع، فقد زعم أن خلق السموات لم يكمل إلى الآن وذلك تكذيب لما أخبر الله به في هذه الآية الكريمة وفي غيرها من الآيات التي أشرت إليها آنفا.
الوجه الخامس : أن القول في القرآن بمجرد الرأي حرام شديد التحريم. وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد.
والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الإعجاز العلمي إلى أين ﴿مساعد الطيار﴾ :
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، فتفسير لفظ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ عند السلف على وجهين :
الأول : بنيناها واسعة الأرجاء، وهذا إخبار عن حال السماء في السعة.
الثاني : بنيناها وإنا لقادرون على بنائها، من الوُسع؛ أي: القُدرة.
ثم حمل بعض المُعتنين بالإعجاز لفظ (لموسعون) على ما قالوا بأنه اكتُشف في هذا العصر من أن الكون يتمدد.
فلو ثبت يقينًا أن الكون يتمدد، فإن السؤال الذي يقع هنا: هل دلالة الآية على تمدد الكون ظنية أم قطعية؟
لا شكَّ أن هذه الدلالة ظنية؛ لأن من يقول بهذا التفسير لا يمكنه أن يجزم في إثبات هذه الدلالة.
وإذا كانت الدلالة ظنيةً، فإن دعوى السبق تبقى ظنية أيضًا.
خلاصة
من خلال هذه المراجع الإسلامية، وأقوال السَّلف والمفسرين، يتبين لنا أن قول القرآن ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ تتمحور فيها كلمة ﴿ لموسعون ﴾ حول معانٍ محدد ليس لها علاقة بفكرة توسع الكون، بل فسروها إما بمعنى ﴿ القدرة، والقوة على الخلق، أو الغنى والسعة في الرزق ﴾ أو القدرة على خلق سماء مثلها.
وكذلك هناك تأكيد على أن الله في القرآن خلق السماوات وفرغ من خلقهن وإكتمالهن في يومين بحسب أقوال المفسرين في تفسيرهم هذه الآية على ذلك ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾.
انتهى .
مقالات ذات صلة
سبأ وعبادة الشمس: هل أخبر القرآن بسرّ تاريخي مجهول؟
الإجهاز على اعجاز نار الحجاز
دراسات حديث الذبابة تحت المجهر: تحليل منهجي ونقد علمي
