هل «السحاب الثقال» إعجاز علمي حقًا؟
يفنّد المقال دعوى الإعجاز العلمي في آية «السحاب الثقال»، ويبيّن أن وصف السحاب بالثقل كان معروفًا وممكن الإدراك قبل العصر الحديث.
المحور الأول: عرض دعوى الإعجاز العلمي في "ثقل السحاب"
أولاً: أصل الدعوى العلمية
يستند أصحاب هذه الدعوى إلى معلومة علمية حديثة مفادها أن السحابة الواحدة (من نوع الركام - cumulus) ليست خفيفة الوزن كما كان يُعتقد قديمًا، بل هي على العكس شديدة الثقل. ويستشهدون بتقدير علمي[1]. مفاده أن متوسط وزن السحابة الواحدة يبلغ نحو 1.1 مليون رطل، وهو ما يعادل تقريبًا وزن 100 فيل أو 2500 حمار.
ثانيًا: الآية محل الاستدلال
يستدلون بقول القرآن في سورة الرعد:
"هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ" (الرعد: 12)
و سورة الأعراف :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (الأعراف: 57)
ويرون أن وصف السحاب بـ «الثقال» هنا إشارة إلى هذه الحقيقة العلمية التي لم تُكتشف إلا بالوسائل الحديثة. وبناءً على ذلك، يزعمون أنه يستحيل على رجلٍ أُمّي عاش في بيئةٍ صحراوية قبل أكثر من 1400 عام أن يعرف هذه المعلومة، ومن ثمّ فلا بد أن يكون مصدرها الوحي.
المحور الثاني: إمكانية التوصل للمعلومة
إمكانية الوصول إلى هذه المعلومة بالاستدلال العقلي المجرد
يمكن صياغة هذا الاعتراض في قياس من الشكل الأول:
المقدمة الكبرى (كلية): كل جسمٍ يحمل الماء فهو جسمٌ ذو كتلة وثقل، لأن الماء مادةٌ محسوسة ذات وزن مُدرَك بالتجربة الحسية اليومية البدهية، لا يحتاج إدراكها إلى مرصد أو قمر صناعي أو حساب فيزيائي معقّد.
المقدمة الصغرى: السحاب الموصوف بـ"الثقال" في آية الأعراف هو سحابٌ حاملٌ للماء بنص الآية نفسها: "حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ" فالفاء في "فأنزلنا" تفيد الترتيب والتعقيب المباشر،أي إن الماء أُنزل من هذا السحاب نفسه الذي وُصف بالثقل قبل ذلك مباشرة.
النتيجة: إذن ثقل السحاب في هذه الآية معلولٌ بعلّة مذكورة في السياق ذاته وهي حمله للماء، وهذه نتيجة يبلغها أي عقل بشري مجرّد بالاستنباط العادي، لا تستلزم علمًا غيبيًا ولا وحيًا.
أهل الجزيرة العربية في القرن السابع كانوا أهل بادية يعتمدون على استقاء الماء ونقله في القِرَب والأوعية، فكانوا يخبرون يوميًا أن حمل الماء يُثقل حامله. وهذه الخبرة الحسية المباشرة بثقل الماء عند حمله تكفي وحدها لتوليد المقدمة الكبرى في القياس أعلاه دون أي حاجة إلى معرفة متخصصة.
خلاصة هذا الرد
بناءً على هذا القياس، فإن وصف السحاب الماطر بـ"الثقال" في سياق نزول الماء منه (كما في آية الأعراف) لا يخرج عن كونه استنتاجًا بديهيًا متاحًا لكل إنسان في كل عصر، لا اكتشافًا علميًا غائبًا عن مدارك البشر يستلزم تفسيرًا إعجازيًا.
إعتراض :
في محاولتهم لدفع هذا الإعتراض يبني الإعجازيون تفريقهم بين الآيتين على أن آية الرعد (وينشئ السحاب الثقال) خلت من ذكر إنزال الماء أو الرياح اللواقح في سياقها المباشر، بخلاف آية الأعراف. ومن ثم يزعمون أن "الثقال" في آية الرعد لا قرينة سياقية تُلزم بحملها على السحاب المُحمَّل بالماء، فيجعلون الأصل فيها أنها تصف الوزن الذاتي للسحاب بصرف النظر عن الماء، وهو ما يوافق بزعمهم الاكتشاف العلمي الحديث.
الرد:
هذا التفريق تنقضه أقوال جمهرة كبيرة من المفسرين المتقدمين الذين فسّروا "السحاب الثقال" في آية الرعد بعينها بأنها السحاب المحمَّل بالماء والمطر، دون أي تفريق بينها وبين آية الأعراف:
قال الطبري:
وقوله: (وينشئ السحاب الثقال) : ويثير السحاب الثقال بالمطر ويبدؤه.[2]
وقد أورد الطبري خمسة طرق عن التابعي مجاهد في تفسيره للآية:
عن مجاهد, قوله: (وينشئ السحاب الثقال) ، قال: الذي فيه الماء.[2]
وقال القرطبي:
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ) أي بالمطر.[3]
وقال ابن كثير:
( وينشئ السحاب الثقال ) أي : ويخلقها منشأة جديدة ، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض . قال مجاهد : والسحاب الثقال : الذي فيه الماء .[4]
بهذا يتبين أن الفهم المستقر عند كبار المفسرين المتقدمين لكلمة "الثقال" في آية الرعد نفسها هو أنها ثقل ناتج عن حمل الماء والمطر، تمامًا كتفسيرهم لآية الأعراف، دون تفريق مصدره غياب ذكر الماء في سياق آية الرعد المباشر.
ويؤيد هذا الفهم أيضًا أن سياق الآية نفسها يتحدث عن مشهد سحابي عاصف، و ليس عن سحاب عادي منفصل عن المطر:
فالآية تبدأ بذكر البرق: "هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ"، ثم تعقبها مباشرة الآية التالية بذكر الرعد والصواعق: "وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ" (الرعد: 13).
فالسياق برمّته من البرق إلى الرعد إلى الصواعق يصف مشهدًا مناخيًا واحدًا متكاملًا: يوم عاصف تتقاذفه سحبٌ ماطرة مثقلة، يصاحبها برقٌ ورعدٌ وصواعق، وهي الظواهر التي تلازم عادة السحب الركامية المُمطرة (الركامية الرعدية). فذكر البرق والرعد والصواعق مقترنًا بذكر "السحاب الثقال" قرينة سياقية إضافية تضاف إلى ما نقلناه عن الطبري والقرطبي وابن كثير تؤكد أن المراد بثقل هذا السحاب هو ثقله بالمطر الذي يصاحب هذا المشهد العاصف، و ليس وزنه الذاتي المجرد المكتشف حديثًا كما يزعم الإعجازيون.
وبهذا يسقط الأساس الذي بُني عليه التفريق بين الآيتين، سواء من جهة أقوال المفسرين المتقدمين أو من جهة السياق القرآني نفسه.
المحور الثالث: المعلومة قبل الإسلام
قبل الانتقال إلى شواهد الشعر العربي، يجدر التنبيه إلى أن وصف السحاب بالثقل، أو ربط السحب الكثيفة والثقيلة بهطول المطر، لم يكن تصورًا خاصًا بالقرآن أو غير مسبوق في التراث الإنساني السابق للإسلام؛ إذ نجد صورًا وتصورات مشابهة في نصوص دينية وفكرية أقدم، من التراث العبري والتلمودي إلى الفكر الطبيعي اليوناني والروماني.
سفر زكريا Zechariah 14:6 (العهد القديم)
سفر زكريا أحد أسفار "الأنبياء الصغار" الاثني عشر، يُنسب تقليديًا إلى النبي زكريا الذي عاش في أواخر القرن السادس قبل الميلاد إبّان العودة من السبي البابلي. غير أن الإصحاحات 9-14 ومنها آيتنا هذه يرجّح كثيرٌ من الباحثين أنها من إضافات لاحقة يعود تاريخها إلى ما بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد، وهو على أي حال تاريخ سابق على الإسلام بقرون طويلة. والسياق هنا نبوءة عن "يوم الرب" الموصوف بأنه يوم غير معتاد، لا يكون فيه النور المعروف بل سحبٌ ثقيلة كثيفة.
And it shall come to pass in that day, that there shall not be light, But heavy clouds and thick. «ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور، بل سحبٌ ثقيلة وكثيفة.»[7]
بِساحيم Pesachim 50a:3 (التلمود البابلي)
"بِساحيم" إحدى مسالك التلمود البابلي، ضمن قسم "موعِد" المختص بأحكام الأعياد، دُوِّن في صورته الأخيرة على الأرجح بين نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي. وفي هذا الموضع تستشهد الجمارا (الشرح التلمودي) بآية زكريا السابقة نفسها ضمن نقاشٍ فقهي حول طبيعة النور في اليوم الموعود.
The verse states: "And it shall come to pass on that day that there shall not be light, but heavy clouds [yekarot] and thickness [vekippaon]".«تقول الآية: "ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور، بل سحبٌ ثقيلة [يكاروت] وكثافة [فكِبّاؤون]".»[8]
براخوت Berakhot 59a:11 (التلمود البابلي)
"براخوت" أول مسالك التلمود البابلي، يبحث في أحكام الصلاة والبركات، من التدوين نفسه (نحو القرن الخامس-السادس الميلادي). والسياق حديثٌ فقهي حول العلامات التي يُستدل بها على المطر، إذ يفرّق الحاخام إسحاق بين سحب الصباح الثقيلة الدالة على مطرٍ غزير، وسحب الصباح الخفيفة التي سرعان ما تنقشع.
...for this refers to [a sky] covered with heavy clouds, whereas the former refers to [a sky] covered with light clouds.«...فهذا يتعلق بسماءٍ مغطاة بسحبٍ ثقيلة، أما القول الأول فيتعلق بسماءٍ مغطاة بسحبٍ خفيفة.»[9]
تَعَانِيت Taanit 6b:11 (التلمود البابلي)
"تعانيت" من مسالك التلمود البابلي، مختصة بأحكام الصوم ودعاء الاستسقاء، من التدوين نفسه. والسياق نقاشٌ حول دلالة سحب الصباح على استمرار المطر، حيث يُميَّز بين سحبٍ ثقيلة يدوم معها المطر طوال اليوم، وسحبٍ خفيفة لا تجلب مطرًا يُذكر.
...heavy clouds, from which rain will fall all day, whereas... light clouds which will not bring substantial rain.«...سحبٍ ثقيلة يهطل منها المطر طوال اليوم، أما... فسحبٍ خفيفة لا تجلب مطرًا غزيرًا.»[10]
سينكا، المسائل الطبيعية (Naturales Quaestiones)
لوكيوس آنايوس سينكا، الفيلسوف الرواقي الروماني (٤ ق.م تقريبًا - ٦٥م)، وضع كتابه "المسائل الطبيعية" في أواخر حياته نحو سنة ٦٢-٦٤م، أي قبل البعثة النبوية بنحو ستة قرون. وفيه يتناول ظواهر طبيعية متعددة من بينها تكوّن الرطوبة والسحاب، ويقرّر أن الهواء حين يتكاثف ويزداد ثقلًا يتولّد عنه الماء، مقارنًا بذلك بين ما يحدث تحت الأرض وما يحدث في السحاب، وهو ما يكشف عن تصوّرٍ طبيعي-فلسفي قديم يربط بين ثقل الهواء المتكاثف وإنتاج المطر.
The same occurs below the earth as in the clouds, that <the air> is condensed, and, when too heavy to remain in its natural state, it produces moisture; often a thin, dispersed liquid collects like dew.«ويحدث تحت الأرض ما يحدث في السحب أيضًا؛ إذ يتكاثف <الهواء>، وحين يصبح أثقل من أن يبقى على حالته الطبيعية، يُنتج رطوبةً؛ وكثيرًا ما يتجمّع سائلٌ رقيقٌ متناثر، كأنه ندى.»
تعبير السحاب الثقال في الشعر الجاهلي
يقوم ادعاء الإعجازيين على أن وصف السحاب بالثقل لم يكن معروفًا للعرب، وأنه يكشف عن حقيقة علمية غائبة عنهم. غير أن الرجوع إلى الشعر العربي يُظهر أن وصف السحاب بـ«الثقل» كان تعبيرًا مألوفًا قبل الإسلام ومعاصِرًا له، يُستعمل لوصف السحاب الماطر وما يبدو عليه من دنوٍّ واسودادٍ وثقل الحمل، لا للدلالة على معرفة بوزنه الفيزيائي الدقيق.
عبيد بن الأبرص
نجد عند الجاحظ (ت255هـ) في البيان و التبيين أبيات شعرية تقول:
لواقح دلّح بالماء سحم ... تمج الغيث من خلل الخصاص.[5]
و يشرح الجاحظ قائلا:
اللواقح: التي قد لقحت من الريح. والدلح: الدانية الظاهرة المثقلة بالماء. سحم: سود. والخصاص، ها هنا: خلل السحاب.[5]
وقد تم نسب هذه القصيدة للشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص فيما بعد.
و أيضا في كتاب مختارات شعراء العرب لابن الشجري (ت 542 هـ) أورد هذا الأخير في مختارات شعر عبيد بن الأبرص الأسدي هذه الأبيات :
فتراوحنها وكلُّ ملثٍّ ... دائمِ الرعدِ مرجحنِّ السحابِ[6]
و علق قائلا :
مرجحن: ثقيل...[6]
الخلاصة
وخلاصة الأمر أن وصف السحاب بالثقل كان موجودًا في مصادر سابقة للإسلام، كما تقدم بيانه في الشواهد المذكورة، فضلًا عن أن ثقل السحاب المحمّل بالماء يمكن استنتاجه بالاستدلال العقلي والملاحظة اليومية البسيطة كما تقدم بيانه أيضًا. لذلك لا يبدو في هذا الوصف ما يقتضي معرفة علمية حديثة أو سبقًا علميًا، ومن ثمّ فإن دعوى الإعجاز في هذه الآيات باطلة.
قائمة المراجع
[1] WorldAtlas. “How Much Does a Cloud Weigh?” WorldAtlas, n.d. here
[2] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث – ابن جرير الطبري (١٦ / ٣٨٧) / هنا
[3] تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (٩ / ٢٩٥) / هنا
[4] تفسير ابن كثير - ت السلامة – ابن كثير (٤ / ٤٤٠) / هنا
[5] البيان والتبيين – الجاحظ (١ / ١٥٩) / هنا
[6] مختارات شعراء العرب لابن الشجري – ابن الشجري (٢ / ٥٣) / هنا
[7] سفر زكريا 14:6، التناخ، بحسب موقع سفاريا (Sefaria).Sefaria – Zechariah 14:6
[8] التلمود البابلي، פסחים (Pesachim) 50a، ترجمة William Davidson، موقع سفاريا (Sefaria).Sefaria – Pesachim 50a:3
[9] التلمود البابلي، براخوت (Berakhot) 59a:11، ترجمة A. Cohen، موقع سفاريا (Sefaria).Sefaria – Berakhot 59a:11
[10] التلمود البابلي، تعنيت (Ta'anit) 6b:11، ترجمة William Davidson، موقع سفاريا (Sefaria).Sefaria – Ta'anit 6b:11
[11] Lucius Annaeus Seneca, Natural Questions, trans. Harry M. Hine (Chicago: University of Chicago Press, 2010), p. 35.
