الرد على إعجاز القمر نورًا و إنعكاس ضوء الشمس
هل يدل وصف القمر في القرآن بالنور فعلًا على انعكاس ضوء الشمس، أم أن هذا المعنى أُسقط على الآية حديثًا لتأييد دعوى الإعجاز العلمي؟
عرض الدعوى
يستدل بعض الإعجازيين بقول القرآن:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: 5]
وقوله:
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: 16]
على أن القرآن ميّز بدقة بين طبيعة ضوء الشمس وضوء القمر, فالشمس مصدر للضوء، في حين أن القمر لا ينتج ضوءه بنفسه وإنما يعكس ضوء الشمس.
ويرون أن اختيار كلمتي ضياء وسراج للشمس، مقابل نور للقمر، إعجاز علمي لأنه يطابق هذه الحقيقة الفلكية، و يميز تمييزا دقيق لم يكن من الممكن، بحسب دعواهم، أن يصدر عن إنسان عاش في القرن السابع الميلادي من دون معرفة علمية متطورة. وقد حظيت هذه الدعوى بشهرة واسعة بين المسلمين الناطقين بالإنجليزية، وتُطرح كثيرًا ضمن أدلة الإعجاز العلمي في القرآن. و يعدّون هذا التوافق دليلًا على سبق القرآن إلى حقيقة علمية لم تُعرف إلا لاحقًا، ويرون أن الوحي الإلهي هو التفسير الأرجح لهذا التطابق بين التعبير القرآني والمعرفة الفلكية الحديثة.
فصل في معنى النور
كتاب العين للفراهيدي (ت نحو 170هـ)
لتحديد معنى كلمة النور في اللغة العربية، نرجع إلى المعاجم العربية القديمة، ونبدأ بكتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت نحو 170هـ)، وهو من أقدم المعاجم العربية، ويُعدّ في المشهور أول معجم عربي متكامل؛ وتكمن أهميته في أنه يمثل مرحلة مبكرة من التأليف المعجمي المنظّم. وقد جاء فيه:
نور: النُّور: الضِّيّاء، والفعل: نار وأنار ونَوْرًا وإنارةً. واستنار، أي: أضاء.[1]
جمهرة اللغة لابن دريد (223–321هـ)
ثم نجد المعنى نفسه في جمهرة اللغة لأبي بكر ابن دريد (223–321هـ)، أحد أبرز المعاجم العربية القديمة. يقول ابن دريد:
والنور: مَعْرُوف، نارَ الشيءُ وأنارَ، إِذا أَضاء، يُنير إنارةَ، وَالِاسْم النُّور...[2]
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ت نحو 393هـ)
ويتكرر هذا التعريف في الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، أحد المعاجم العربية المعتمدة، إذ يعرّف النور بقوله:
النورُ: الضياءُ، والجمع أنْوارٌ.[3]
لسان العرب لابن منظور (630–711هـ)
أما لسان العرب لابن منظور (630–711هـ)، فهو من أوسع المعاجم العربية وأشهرها، جمع فيه مؤلفه مادة معاجم سابقة، مما يجعله مرجعًا مهمًّا لتتبع المعاني اللغوية وما استقر عليه استعمال العرب. وقد جاء فيه:
والنُّورُ: الضِّيَاءُ. وَالنُّورُ: ضِدُّ الظُّلْمَةِ. وَفِي الْمُحْكَمِ: النُّور الضَّوْءُ، أَيًّا كَانَ.[4]
واللافت أن المعاجم الأربعة تشرح النور بالضياء والضوء والإضاءة، وأنه ضد الظلمة، من دون أن تعرّفه بأنه الضوء المنعكس عن جسم آخر. لذلك، لا دليل لغويًا على أن النور في الآية يعني تحديدًا الضوء المنعكس عن سطح القمر. بل إن المعاجم تستخدم «النور» و«الضياء» في تفسير أحدهما بالآخر؛ فإذا كان الضياء، وفق هذا التصور، هو الضوء الصادر عن الجسم بذاته، لزم أن يكون القمر كذلك، وهو ما يخالف الحقيقة العلمية التي يستند إليها الإعجازيون أنفسهم.
شواهد من القرآن والسنة
ولا يقتصر استعمال لفظ النور بهذا المعنى العام على المعاجم العربية، بل نجده كذلك في القرآن والأحاديث النبوية، في سياقات لا تدل على أن المقصود به ضوء منعكس عن جسم آخر، كما يتضح من الشواهد الآتية:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...﴾ [النور: 35].
ولو كان النور يعني الضوء المنعكس، للزم أن يكون وصف الله بأنه ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ دالًّا على أنه ضوء منعكس عن شيء أو يستمد نوره من شيء آخر، كما أن المثل الوارد في الآية يتحدث عن مصباح، دون أن يذكر أي انعكاس للضوء.
و يعضض هذا ما نقل أبي ذر عن الرسول :
«سألتُ رسولَ الله : هل رأيتَ ربَّك؟ قال: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟»[5]
فهل هذا الاستعمال يتوافق مع مصدر النور بذاته او مجرد انعكاس
و يدعم فكرتنا ايضا ما نقلته عائشة، أن الرسول قال:
«خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».[6]
فكيف تكون مادة خلق الملائكة عبارة عن انعاكس ضوء ؟
بل إن وصف القمر بالضياء ورد في كلام النبي نفسه، كما في صحيح البخاري، إذ شبّه وجوه أهل الجنة بضوء القمر ليلة البدر، فقال:
لَيَدخُلَنَّ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبعونَ ألفًا، أو سَبعُ مِئةِ ألفٍ -شَكَّ في أحَدِهما- مُتَماسِكينَ، آخِذٌ بَعضُهم ببَعضٍ، حتَّى يَدخُلَ أوَّلُهم وآخِرُهمُ الجَنَّةَ، ووُجوهُهم على ضَوءِ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ.[7]
وغيرها العديد من الشواهد التي تؤكد أن معنى النور هو الضوء، لا الضوء المنعكس.
و ينسب انتشار هذا الإعجاز بين المسلمين الناطقين بالإنجليزية رغم بداهة بطلانه إلى بعض الترجمات التي تُحمّل لفظ نور معنى غير موجود في اللفظ العربي؛ فترجمة الدكتور مصطفى خطاب تستخدم عبارة “a reflected light”، أي ضوء منعكس[8]، بينما تستخدم ترجمة Saheeh Internationalعبارة “a derived light”، أي ضوء مشتق[9] . وقد أسهم في انتشار هذه الصياغات اعتماد مواقع قرآنية إنجليزية شهيرة، مثل Quran.com، لهذه الترجمات.
فصل في أسبقية الفكرة في المصادر القديمة
أناكساغوراس (القرن الخامس قبل الميلاد)
حتى لو سلّمنا بصحة مقدمة هذا الإعجاز، فهل يُعدّ محمد قد خرق العادة بكشفه حقيقةً لم يعرفها البشر إلا بفضل مقراب هابل أو بعد صعودهم إلى القمر؟ المفاجأة أن هذه الفكرة كانت معروفة قبل الإسلام بقرون طويلة؛ فقد ذكرها الفيلسوف اليوناني أناكساغوراس (القرن الخامس قبل الميلاد)، ونقلها عنه هيبوليتوس، وهو مؤلف مسيحي عاش في القرن الثالث الميلادي، في كتابه دحض جميع الهرطقات (Refutation of All Heresies)، إذ جاء في عرضه لآراء أناكساغوراس:
And that the moon is eclipsed when the earth is interposed, and occasionally also those (stars) that are underneath the moon. And that the sun is eclipsed when, at the beginning of the month, the moon is interposed.[10]
أي إن أناكساغوراس كان يرى أن القمر لا يضيء بذاته، بل يستمد ضوءه من الشمس، وأن كسوف القمر يحدث عندما تقع الأرض بينه وبين الشمس، بينما يحدث كسوف الشمس عندما يقع القمر بينها وبين الأرض. وهذا يعني أن فكرة اختلاف مصدر ضوء الشمس عن ضوء القمر كانت معروفة قبل الإسلام بنحو ألف سنة لو صحة النسبة و مئات السنين لو لم تصح، فلا يصح تقديمها بوصفها معرفة لم يكن بوسع البشر الوصول إليها قبل العصر الحديث.
بلينيوس الأكبر (Pliny the Elder) نحو 77م
ويؤكد ذلك أيضًا بلينيوس الأكبر (Pliny the Elder)، الكاتب الروماني الذي عاش في القرن الأول الميلادي، في كتابه التاريخ الطبيعي (Natural History)، الذي أُلّف نحو عام 77م، إذ يقول:
She[The Moon], like the rest of the planets, is ruled by the sun’s brilliance, in that she shines with a light completely borrowed from the sun, like the light we see flickering when it strikes water.[11]
«فهي [القمر]، شأنها شأن بقية الكواكب، تخضع لتأثير الشمس، إذ تضيء بضوء مستعار بالكامل من الشمس، مثل الضوء الذي نراه متلألئًا عندما يسقط على الماء».
The moon is seen to shine with variable intensity because she is only full when facing the sun, and on other days shows to the earth only as much light from herself as she receives from the sun.[11]
«يُرى القمر ساطعًا بدرجات متفاوتة من الشدة، لأنه لا يكون بدرًا إلا عندما يكون في مواجهة الشمس، أما في الأيام الأخرى فلا يُظهر للأرض من نوره إلا بقدر ما يتلقاه هو نفسه من الشمس».
وهكذا، يصرّح بلينيوس بأن ضوء القمر مستمد من الشمس، قبل الإسلام بقرون طويلة، مما ينفي أن تكون هذه الفكرة اكتشافًا حديثًا يستحيل على القدماء معرفته.
أرسطرخس الساموسي (القرن الثالث قبل الميلاد)
ويؤكد ذلك أيضًا الفلكي اليوناني أرسطرخس الساموسي (نحو 310–230 ق.م.)، الذي عاش في جزيرة ساموس اليونانية، ثم ارتبط اسمه بتاريخ علم الفلك في العصر الهلنستي. ففي رسالته في أحجام الشمس والقمر والمسافات بينهما (On the Sizes and Distances of the Sun and Moon)، يذكر في الفرضية الأولى:
αʹ. Τὴν σελήνην παρὰ τοῦ ἡλίου τὸ φῶς λαμβάνειν.[12]
أي فيما ترجمته :
“1. That the Moon gets its light from the Sun.”«أن القمر يستمد ضوءه من الشمس».[12]
وهذا نص صريح يثبت أن الفكرة كانت معروفة لدى أرسطرخس قبل الإسلام بأكثر من سبعة قرون، ولم تكن اكتشافًا حديثًا يستحيل على القدماء التوصل إليه.
قائمة المراجع
[1] العين – الخليل بن أحمد الفراهيدي (٨ / ٢٧٥) / هنا
[2] جمهرة اللغة – ابن دريد (٢ / ٨٠٦) / هنا
[3] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية – أبو نصر الجوهري (٢ / ٨٣٨) / هنا
[4] لسان العرب – ابن منظور (٥ / ٢٤٠) / هنا
[5] صحيح مسلم - ت عبد الباقي – مسلم (١ / ١٦١) / هنا
[6] صحيح مسلم - ط التركية – مسلم (٨ / ٢٢٦) / هنا
[7] صحيح البخاري - ن عطاءات العلم – البخاري (٥ / ٤٦٥) / هنا
[8] Mustafa Khattab, trans., The Clear Quran, Q. 10:5, accessed October 14, 2026, here.
[9] Saheeh International, trans., The Qur’an, Q. 10:5, accessed October 14, 2026, here
[10] Hippolytus. The Refutation of All Heresies, Book 1. Blackmask Online, 2002.
[11] Pliny the Elder, Natural History: A Selection, trans. John F. Healy (New York: Penguin Books, 2004), 17.
[12] Carman, C. C., & Buzón, R. P. Greek text and translation. In Aristarchus of Samos: On the Sizes and Distances of the Sun and Moon: Greek Text, Translation, Analysis, and Relevant Scholia (pp. 44-45). Routledge here.

سجّل دخولك لتشارك في النقاش.
تسجيل الدخول إنشاء حسابلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.