هل تنبأ سفر «صعود موسى» بمولد النبي محمد؟
دراسة نقدية لدعوى التنبؤ بمولد النبي محمد في «صعود موسى»، تبدأ من معنى النص وسياقه، ثم تختبر الحساب الزمني الذي تقوم عليه الدعوى.
المحور الأول: عرض الحجة
تستند هذه البشارة إلى مخطوطة «صعود موسى» (Assumption of Moses)، وهو نص يهودي يُنسب إلى موسى ، ويَرود فيه قوله: «من وفاتي حتى مجيئه يكون مئتان وخمسون وقتاً». وقد فسّر شرّاح النص هذه المدة بـ 250 أسبوعاً من السنين، أي ما يعادل 1750 سنة، لتمثل الفترة الفاصلة بين وفاة موسى وظهور صاحب "مملكة الرب".
ولضبط بداية الحساب، افترض أصحاب الاستدلال أقصى تاريخ ممكن لوفاة موسى، وهو نهاية فترة التيه (بعد 40 سنة من هلاك فرعون الخروج). ونظراً لاختلاف المؤرخين في تحديد هوية هذا الفرعون، نتجت أربعة احتمالات لوفاة موسى، بُنيت عليها أربعة أمدية لظهور الموعود بإضافة 1750 سنة:
- احتمال رمسيس الثاني (ت. 1213 ق.م) بإضافة سنوات التيه الأربعين و زيادة 1750 سنة: يقع المدى بين 537 - 577 م.
- احتمال مرنبتاح (ت. 1203 ق.م) بإضافة سنوات التيه الأربعين و زيادة 1750 سنة: يقع المدى بين 547 - 587 م.
- احتمال أمنحتب الثاني (ت. 1401 ق.م) بإضافة سنوات التيه الأربعين و زيادة 1750 سنة: يقع المدى بين 349 - 389 م.
- احتمال تحتمس الثالث (ت. 1425 ق.م) بإضافة سنوات التيه الأربعين و زيادة 1750 سنة: يقع المدى بين 325 - 365 م.
وبما أن مولد النبي محمد سنة 571 م يقع داخل النطاقين الزمنيين للفرضيتين الأوليين (رمسيس ومرنبتاح)، فقد اعتبروا ذلك تحقيقاً للنبوءة. أما الاحتمالان الأقدم فقد استُبعدا لعدم وجود حدث تاريخي معتبر في فترتيهما، فضلاً عن ضعف الأساس التاريخي في تعيين فرعون الخروج أساساً.
وتتلخص الحجة في أن النص حدد زمناً لظهور منتظر، وكان متداولاً قبل الإسلام، وأن توافق مولد النبي مع هذا المدى الزمني لا يمكن اعتباره محض مصادفة.
فصل في أن المقصود هو الله وليس نبياً
قبل أن نشرع في التحقق من صحة هذه السنوات والحسابات والأرقام، وجب أولاً أن نتبيّن عما يتحدث النص أصلاً؛ فحين نتأمل سياق الفصل العاشر من مخطوطة «صعود موسى»، يتضح بجلاء أنه يتحدث عن يوم القيامة والتدخل الإلهي المباشر لإقامة ملكوت الله، لا عن بعثة نبي أو رسول بشري جديد.
فعندما ترد العبارة محط الاستدلال: (من وفاتي حتى مجيئه يكون مئتان وخمسون وقتاً)، فإن الضمير في «مجيئه» (His advent) لا يحمل أي دلالة على شخص بشري، بل هو امتداد سياقي مباشر للحديث عن الذات الإلهية، إذ يستهل هذا الفصل بوصف خروج الرب من عرشه لإقامة ملكوته:
"For the Heavenly One will arise from His royal throne, And He will go forth from His holy habitation With indignation and wrath on account of His sons."(لأن السماوي سينهض من عرشه الملكي، وسيخرج من مسكنه المقدس بغضب وسخط من أجل بنيه).[1]
ثم يتتابع السياق بوصف أهوال يوم القيامة، وتزلزل الأرض، وتعطل الكواكب والنجوم، إلى أن ينتهي بعبارة صريحة تكشف أن الفاعل هو الله، وتحدد مراد الضمير في كلمة «مجيئه»:
"For the Most High will arise, the Eternal God alone, And He will appear to punish the Gentiles, And He will destroy all their idols."(لأن العليّ سينهض، الإله الأزلي وحده، وسيظهر لمعاقبة الأمم، وسيدمر جميع أصنامهم). [1]
ولا يقف السياق عند هذا الحد، بل يستمر الضمير العائد على الله (He) في بسط أفعاله وقدرته المطلقة في ذلك المشهد الأخروي حتى في إكرام عباده ورفعهم:
"And God will exalt you, And He will cause you to approach to the heaven of the stars, In the place of their habitation."(وسيرفعكم الله، وسيجعلكم تقتربون من سماء النجوم، في موضع مسكنهم). [1]
و بعدها يأتي نص النبوءة :
"And do you; Joshua (the son of) Nun, keep these words and this book; For from my death [assumption] until His advent there shall be 250 times" وأنتَ أيضًا، يا يشوع بن نون، احفظ هذه الكلمات وهذا الكتاب؛ فإنه منذ موتي [وانتقالي] إلى مجيئه سيكون هناك مئتان وخمسون وقت.[1]
فالقرينة السياقية واضحة جلية؛ إذ إن لفظ «هو سيظهر» (He will appear) وكل ما تلاها من أفعال الجبروت، وتدمير الطغاة، وقيام الملكوت، والظهور الإلهي الذاتي، تعود كلها بلا استثناء على الله وحده، باعتباره الفاعل والظاهر في ذلك المشهد الأخروي الخالص. وبهذا يسقط الدليل أصلاً؛ إذ لا علاقة للنص بمولد نبي بشري لا من قريب ولا من بعيد. ومع ذلك، سنتجاوز هذا الخلل لكي ندخل في مناقشة الحسابات والافتراضات التاريخية التي بُنيت عليها هذه الدعوى تنزلاً مع الخصم.
فصل في تدقيق الحساب ونقض التوسيع المتعمد للهامش الزمني
عمد أصحاب الاستدلال إلى ابتداع هامش زمني واسع يمتد لأربعين سنة كاملة (بين موت فرعون ونهاية التيه)، لتوليد نطاق تاريخي مطاط (مثل 537–577 م) يتسع بالضرورة لمولد النبي (571 م). غير أن النصوص التوراتية التي بنوا عليها استدلالهم تكشف أن هذا التوسيع ليس إلا مناورة حسابية؛ فالنصوص لا تترك تاريخ وفاة موسى عائماً، بل تحدد الفارق بين الخروج وموته برقم قاطع.
فقد حدد النص التوراتي عمر موسى عند مواجهة فرعون بثمانين سنة:
«وَكَانَ مُوسَى ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَهَارُونُ ابْنَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً حِينَ كَلَّمَا فِرْعَوْنَ.» (سفر الخروج 7: 7) [2]
ثم نص على أنه مات وعمره مئة وعشرون سنة:
«وَكَانَ مُوسَى ابْنَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَاتَ، وَلَمْ تَكِلَّ عَيْنُهُ وَلَا ذَهَبَتْ نَضَارَتُهُ.» (سفر التثنية 34: 7) [3]
ويقطع سفر التثنية بأنه لم يمت في بدايات الخروج ولا في أواسطه، بل في نهاية السنة الأربعين تماماً قبيل دخول الأرض المقدسة:
«فَفِي السَّنَةِ الأَرْبَعِينَ، فِي الشَّهْرِ الْحَادِي عَشَرَ فِي الأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، كَلَّمَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَسَبَ كُلِّ مَا أَوْصَاهُ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ.» (سفر التثنية 1: 3) [4]
النص يصرّح بأن موسى كان لا يزال حياً يخاطب بني إسرائيل في ختام السنة الأربعين بعد خروجهم من مصر—وهو الخروج الذي هلك فيه فرعون وجيشه في أشهره الأولى. وبما أن موسى واجه فرعون وهو في سن الثمانين ومات وهو في المئة والعشرين، فإن الفارق الزمني بين موت فرعون وموت موسى هو أربعون سنة كاملة (120 - 80 = 40). وعليه، فإن موسى لم يمت في بداية التيه ولا في أواسطه ليُجعل تاريخ وفاته مدىً مطاطاً يمتد لأربعين عاماً، بل مات في ختامها حصراً، فلا يصح حساب وفاته بأقل من 40 سنة بعد هلاك فرعون.
وعليه، فإن التاريخ المفترض لوفاته لا يجوز حسابه كهامش مفتوح (من صفر إلى 40 سنة بعد الفرعون)، بل يُحسب بنقطة زمنية محددة: [تاريخ هلاك الفرعون + 40 سنة]. وبإضافة الـ 1750 سنة إلى هذه النقطة المحددة تسقط النتيجة المزعومة:
- على فرضية مرنبتاح (ت. 1203 ق.م): تضاف 40 سنة لتكون وفاة موسى نحو 1163 ق.م. وبإضافة 1750 سنة، يكون الموعد الناتج سنة 587 م؛ أي بعد مولد النبي بستة عشر عاماً، فيسقط التطابق كلياً.
- على فرضية رمسيس الثاني (ت. 1213 ق.م): تضاف 40 سنة لتكون وفاته نحو 1173 ق.م. وبإضافة 1750 سنة، ينتج عام 577 م كنقطة محددة، و هو أيضا لا يطابق تاريخ مولد محمد 571 م.
إن إدراج سنوات التيه الأولى والوسطى لم يكن إلا حيلة لافتعال نطاق زمني يتسع لستة عقود، بينما تلزم النصوص المستدل بها باحتساب الأربعين سنة كاملة، وهو ما يدفع بالنتيجة الرقمية بعيداً عن سنة 571 م ويُبطل الاستدلال من أصله.
فصل في فرضية النبوءة المحققة لذاتها وطبيعة النص المنحول
حتى لو سلّمنا جدلاً بصحة الحسابات وانطباق الرقم على سنة المولد، فإن ذلك لا ينهض دليلاً على صدق النبوة من الناحية العقلية؛ إذ إن النصوص التاريخية والتراثية التي تكرّس ترقّباً زمنياً لظهور مخلّص أو شخصية منتظرة قد تتحول، في بعض السياقات، إلى ما يُعرف بـ «النبوءة المحققة لذاتها» (Self-fulfilling prophecy).
فعندما يسود في بيئة دينية اعتقادٌ بوقوع حدث معين في إطار زمني محدد، فإن الوعي بهذا الموعد، سواء لدى الأفراد أنفسهم أو لدى المحيطين بهم، قد يدفع بعض الأشخاص إلى تبنّي الدور الذي تتوقعه الجماعة منهم، والاستجابة للتصورات السائدة في محيطهم. وهذا يقدّم تفسيراً لظاهرة كثرة مدّعي النبوة في شبه الجزيرة العربية ومحيطها خلال تلك الحقبة، ومنهم مسيلمة، والأسود العنسي، وطليحة بن خويلد، وسجاح، فضلاً عمن لم تحفظ لنا المصادر أسماءهم.
وخير شاهد على هذا النمط من النبوءات المحققة لذاتها ما تنقله المصادر الإسلامية نفسها عن شيوع حالة الترقب هذه بين عرب الجاهلية؛ إذ بلغ انتظارهم للنبي المنتظر حدَّ تسمية بعض أبنائهم «محمداً»، رجاءَ أن يكون أحدهم هو النبي الموعود. فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى عن ابن إسحاق:
سمي محمد بن خزاعي بن حزابة من بني ذكوان من بني سليم طمعًا في النبوة...[5]
و نقل بعدها هذه الرواية أيضا التي تحدد عدة أشخاص سُمُّو محمدًا طمعا في النبوة :
كان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع، وكان أسقفًا، قيل لأبيه: إنه يكون للعرب نبي اسمه محمد، فسماه محمدًا، ومحمد الجشمي في بني سواءة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي سموهم طمعًا في النبوة.[5]
ومن ثم، فإن تطابق التوقيت (إن ثبت وجوده أصلاً) لا يثبت مصدراً إلهياً للنبوءة، وإنما قد يكون انعكاساً للتفاعل البشري مع أجواء الترقب والانتظار التاريخي.
فوق ذلك، فإن مخطوطة «صعود موسى» تندرج ضمن ما يُعرف بـ «الأسفار المنحولة» (Pseudepigrapha)؛ وهي نصوص ألّفها كُتّاب مجهولون بعد موسى بقرون طويلة، ونسبوها إليه زوراً ليمنحوها وزناً ومصداقية. ولهذا السبب، لم يعترف بها اليهود قط في كتابهم المقدس، ولا أقرتها الكنائس المسيحية ضمن أسفارها المعتمدة.
فإذا كان أهل الديانة أنفسهم يُجمعون على أن السفر مختلَق ولم يكتبه موسى، فكيف يُجعل أساساً لإثبات نبوءة غيبية؟ إن استخراج جملة من كتاب غير معترف به، ثم مطابقتها مع تاريخ لاحق، لا يثبت وحياً ولا يصح دليلاً، بل يظل مجرد إسقاط متأخر على نص لا أصل له تاريخياً.
قائمة المراجع
[1]Tromp, Johannes. The Assumption of Moses: A Critical Edition with Commentary. Studia in Veteris Testamenti Pseudepigrapha 10. Leiden: Brill, 1993 available here Online version hosted at Pseudepigrapha.com here.
[2] «سفر الخروج 7:7»، موقع كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت هنا .
[3] «سفر التثنية 34: 7»، موقع كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت هنا.
[4] «سفر التثنية 1: 3»، موقع كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت هنا.
[5] الطبقات الكبرى - ط دار صادر – ابن سعد (١ / ١٦٩) / هنا
