الإجهاز على إعجاز ادعاء فرعون للألوهية
يفنّد المقال دعوى الإعجاز المتعلقة باكتشاف القرآن لادعاء فرعون الألوهية، مستعرضًا شواهد يهودية ومسيحية ويونانية وسريانية ومصرية تثبت أن هذه الفكرة كانت معروفة ومتداولة قبل الإسلام بقرون.
تُعدّ دعاوى الإعجاز التاريخي من أبرز وجوه الإعجاز القرآني التي شاعت في الخطاب الإسلامي المعاصر. وجوهر هذه الدعوى أن القرآن تضمّن معلومات تاريخية دقيقة لم تكن متاحة في زمن النبي محمد، ولا يمكن أن يصدر العلم بها إلا عن وحي إلهي. ومن أبرز الأمثلة التي تُساق في هذا السياق: ادعاء فرعون الألوهية، وهو ما يتناوله هذا الرد بالفحص والتمحيص.
يقوم منهج الإعجاز التاريخي على ركيزتين أساسيتين: أولاهما أن المعلومة القرآنية صحيحة تاريخياً، وثانيتهما أن هذه المعلومة كانت مجهولة في محيط النبي الثقافي، بحيث يتعذر تفسير علمه بها بأسباب طبيعية. وإذا تخلّفت الركيزة الثانية تنهار دعوى الإعجاز من أساسها، حتى لو صحّت المعلومة في ذاتها. وهذا تحديدًا ما تُعنى هذه الدراسة بإثباته في مسألة ادعاء فرعون الألوهية.
والآيات المعنية بالبحث ثلاث آيات رئيسية: قول القرآن﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، وقوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]. وقد تكاثرت حول هذه الآيات دعاوى إعجازية متعددة، وهي: تفرّد القرآن بذكر تأليه فرعون، وكشفه عن ادعاء فرعون موسى الألوهية العليا المطلقة، ومطابقة هذه الادعاءات للحقائق الأثرية التي تم اكتشافها حديثاً في علم المصريات.
وفيما يلي سنعرض الرد المختصر على كل هذه النقاط، وبعدها سنخصص محاور للتفصيل في الردود ونسف الاعتراضات.
مختصر الرد على دعوى الإعجاز :
قبل الشروع في التفصيل، تجدر الإشارة إجمالاً إلى أن دعوى الإعجاز هذه تصطدم بجملة من الحقائق التاريخية. وخلاصتها أن هذه المعلومة لم ينفرد القرآن بالكشف عنها، بل كانت فكرة راسخة متداولة على نطاق واسع في مصادر سابقة على الإسلام أو معاصرة له، تمتد من نص حزقيال التوراتي في القرن السادس قبل الميلاد، إلى المدراشات اليهودية المتعددة، مروراً بفيلو الإسكندري في القرن الأول قبل الميلاد، وصولاً إلى شهادة القديس جيروم في القرن الرابع الميلادي. وهذه المصادر لا تقف شاهداً متفرقاً أو عرضياً، بل تتضافر فيما بينها زمنياً وجغرافياً ودينياً بحيث يشرح بعضها بعضاً، وتسندها الشواهد اليونانية والرومانية، وعلى رأسها شهادة ديودور الصقلي في القرن الأول قبل الميلاد، التي تثبت أن تأليه الملك كان ممارسة مؤسسية معروفة في الديانة المصرية القديمة، ويعزز هذا شاهد مسيحي سرياني مستقل، هو أفراهاط الفارسي في القرن الرابع الميلادي، الذي يسوق فرعون صراحة ضمن قائمة الملوك الذين اتُّخذوا آلهة، بمعزل تام عن التراثين اليهودي واليوناني-الروماني. ويؤكد هذا كله أن التأليه لم يكن وصفاً عارضاً بل كان ملازماً للعرش نفسه بصرف النظر عن هوية شاغله، كما يثبته اتخاذ داريوس الفارسي ذاته، حين حكم مصر، الألقاب الفرعونية الكاملة بما فيها لقب "ابن رع" و وصفه بالإله الصالح. بل إن قصة فرعون نفسها كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، ويُرجَّح أن دعواه الألوهية تحديدًا مذكورة صراحة في شعر أمية بن أبي الصلت الجاهلي. يضاف إلى ذلك أن الاستدلال الإعجازي بأكمله مبني منهجياً على مغالطة السكوت، وعلى اشتراط تعسّف في المعرفة الكتابية المباشرة يتجاهل واقع انتقال المعلومات في القدم عبر الرواية الشفهية والتداول الثقافي، مما يجعل افتراض مصدر وحي لهذا النص أقل ترجيحاً من تفسيره في ضوء شيوع هذه الفكرة وتداولها في البيئة الثقافية المحيطة قبل الإسلام.
1. التأليه في الكتب اليهودية و المسيحية
فيلو الإسكندري
يُعدّ فيلو الإسكندري (نحو 20 ق.م - 50 م) من أبرز الفلاسفة اليهود في العالم القديم، وُلد في الإسكندرية لعائلة يهودية بارزة، وتلقّى تدريباً في الفكر اليوناني إلى جانب التعليم اليهودي، وسعى إلى التوفيق بين التعاليم التوراتية والفلسفة اليونانية مما جعل أفكاره ذات أثر واسع في الفكر الديني اليهودي والمسيحي.
وفي كتابه «عن نسل قايين» (On the Posterity of Cain)، وهو أحد مؤلفاته التفسيرية على سفر التكوين، يتناول فيلو ظاهرة التأليه الذاتي عند الطغاة، فيصفهم بأنهم:
«يعتبرون أنفسهم فوق البشر، ويتباهون بألقابهم، ويؤلهون أنفسهم صراحةً» [1]
ثم يستشهد مباشرة بقول فرعون موسى في سفر الخروج: «لا أعرف الرب» (الخروج 5:2)، بوصفه مثالاً على الطغاة الذين يؤلّهون أنفسهم:
ومن أمثلة هذا المسلك أولئك الذين تجرؤوا فيما مضى على أن يقولوا: «إني لا أعرف الرب» (الخروج 5: 2)، وقد أنساهم انغماسهم المفرط في متع الجسد ومباهج الدنيا أنهم ليسوا إلا بشرًا. [1]
وأهمية هذا النص تتجلى في أمرين:
أولاً: التأريخ. فيلو كتب هذا النص قبل الإسلام بأكثر من ستة قرون، مما يثبت أن ربط فرعون بادعاء الألوهية كان راسخاً في الفكر اليهودي قبل القرآن بأمد بعيد.
ثانياً: طبيعة الشهادة. فيلو لا يتناول فرعون في سياق تاريخي أثري، بل في سياق فلسفي أخلاقي، مما يعني أن ادعاء فرعون الألوهية كان في وعيه معلومة مُسلّمة لا تحتاج إلى إثبات، وهذا أدلّ على شيوعها من أن يذكرها بوصفها كشفاً جديداً.
سفر حزقيال
تضمّن سفر حزقيال النبي، المكتوب في القرن السادس قبل ميلاد المسيح، مقولة على لسان فرعون من الفراعنة:
نهري لي وأنا عملته لنفسي» (حزقيال 3: 29) [2]
أو بترجمة أخرى أكثر حرفية وردت في ترجمات قديمة: «صنعت نفسي» وسنتطرق لها أكثر فيما بعد .
وليس هذا المعنى غريبًا عن البيئة الدينية المصرية القديمة؛ إذ كانت بعض النصوص اللاهوتية المصرية تنسب إلى الآلهة القدرة على إيجاد أنفسها. ففي وصف الإله آتوم، كبير آلهة هليوبوليس، يقول ياروسلاف تشيرني في كتابه Ancient Egyptian Religion:
"كان أتوم، إله هليوبوليس، إلهًا مطلقًا. وكان الأقدم، والوحيد، وقد أوجد نفسه بنفسه... ولذلك حكم جميع الآلهة وكان «ربَّ الجميع»."[18]
و الآية لم تُصَغ بأي فعل عبري عابر، بل بالفعل ذاته الذي وصفت به عملية الخلق الإلهي في أول صفحة من التوراة[3B]، مما يعني أن فرعون، في هذه المقولة، لم يكتفِ بادعاء صنع النيل أو صنع نفسه، بل استعار لغوياً الفعل بعينه الذي وصفت به التوراة الفعل الخلقي الإلهي الأول.
وهو كلام أقل ما يقال عنه إنه ادّعاء ألوهية واضح بحدّ ذاته، لا يحتاج إلى مزيد بيان أو تأويل.
بيد أن السياق الداخلي للإصحاح نفسه يحسم الجدل نهائياً قبل الرجوع إلى أي تفسير خارجي، إذ جاء في الآية التاسعة منه:
لذلك هكذا قال السيد الرب: هأنذا أجلب عليك سيفًا، وأستأصل منك الإنسان والحيوان. وتكون أرض مصر مقفرة وخربة، فيعلمون أني أنا الرب، لأنه قال: نهري لي وأنا عملته. (حزقيال 29: 8-9)
فالله يُعلن أنه سيعاقب فرعون على هذه المقولة تحديداً، والغاية المعلنة من هذه العقوبة أن يعلم الجميع أن الله هو الرب. بل إن هذا التهديد والوعيد يستمر مكثفاً ومغلظاً على امتداد أربعة إصحاحات كاملة، تتكرر فيها مراراً هذه العبارة ذاتها: فيعلمون أني أنا الرب! والسؤال الذي لا مفرّ منه: لماذا يُعاقب فرعون بمثل هذا السخط والإمعان، ولهذه الغاية المحددة جداً، إن لم يكن قد نازع الله في ربوبيته؟ السياق لا يحتمل تفسيراً آخر.
وحتى سياق تسلسل الإصحاحات يدعم هذا الفهم، لأن الإصحاح السابق مباشرة ينسب إلى ملك صور صراحةً ادعاء الألوهية: «أنا اله في مجلس الالهة» (حزقيال 28: 2)
وهذه الأسباب كانت أكثر من كافية لتدفع الأحبار بشكل حتمي إلى استنتاج أن فرعون قد أله نفسه، بل سيمر معنا في المدراشات أنهم نسبوا لملك آخر (سنحاريب) قولاً أقل طغياناً من كلام فرعون «مَنْ مِنْ كُلّ آلهة هذه الأراضي أَنقَذَ أَرضَهُمْ مِنْ يَدِي، حتّى يُنْقِذَ الرّبُّ أُورشَليمَ مِنْ يَدِي؟» سفر إشعياء 36 : 20
وقد يُعترض هنا بأن الفرعون المخاطب في نص حزقيال 3: 29 هو فرعون عصر حزقيال لا فرعون موسى، وبالتالي فلا دلالة فيه على ادعاء فرعون الخروج الألوهية.
وهو اعتراض ضعيف عند التأمل، لسببين:
- أولهما أنه يفترض أن محمداً سيميّز أصلاً هذا السياق التاريخي الدقيق لو سمع هذه الآية سماعاً عابراً، مع أن ذهنه لن ينصرف إلا إلى فرعون موسى، لأنه أشهر الفراعنة وأبرزهم في النصوص الدينية، وهذا ما تؤكده النصوص الإسلامية نفسها، إذ لم يُطلَق فيها لفظ «فرعون» قط على أي شخص غير فرعون موسى، وكأن سائر الفراعنة مجهولون في نظر محمد، أو لا يستحقون أصلاً هذا اللقب. وما يُرجح أن محمداً تأثر بنص حزقيال أو تفاسيره وفهم أن المقصود فرعون موسى هو وجود ما يوازيها في القرآن: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف 51) وسنرى فيما بعد استعمال آية حزقيال في المدراشات في نفس سياق قصة موسى و هارون مع فرعون مما يتطابق مع الاستعمال القرآني.
- وثانيهما أن مدار دعوى الإعجاز أصلاً هو «تأليه الفراعنة» بوصفه ظاهرة عامة، لا فرعون موسى بعينه دون سواه، فلا خصوصية له تُخرجه من هذا الإطار.
يعزز هذا الفهم ما ورد في تفسير The IVP Bible Background Commentary الأكاديمي للعهد القديم [3]، حيث يشير إلى أن حزقيال في الغالب كان يخاطب لقب فرعون بوصفه منصباً عاماً لا شخصاً بعينه.
أما الرد الحاسم على هذا الاعتراض وتأكيد كل ما سبق يأتينا حين نرجع إلى التفاسير اليهودية والمسيحية قبل الإسلام التي تؤكد أن آية حزقيال تدل على ادعاء الألوهية، وتستدل بها في الكلام على أحداث موسى وهارون, وتخلص أيضًا إلى أن ادعاء الألوهية فيها لا يخص شخصًا بعينه، بل ينطبق على منصب فرعون عمومًا بحيث يمكن إسقاطه على كل ملوك مصر بسبب تسلط قوة شيطانية على سلالتهم كلها جعلتهم كلهم يدعون الألوهية، وأيضاََ يتكرر فيها ادراج فرعون في قائمة ملوك طغاة. القاسم المشترك الذي بينهم هو ادّعاء الألوهية.
المدراشات
المدراش تفسيرٌ توراتي يغلب عليه التأويل الباطني، وجوهره أن التوراة كلها نسيج واحد متشابك يفسّر بعضه بعضاً، بحيث يمكن ربط أي آية بأي آية أخرى بصرف النظر عن السياق الزمني أو النصي الأصلي، وما يُقال في عصر يمكن أن ينطبق على عصر آخر، وما يُقال عن شخص يمكن أن يُقال عن سواه. وقد تطرقنا لهذه الخصائص بالتفصيل مع الاستشهاد بالمراجع الأكاديمية في فقرة الحواشي [1B].
والمهم أن هذه الخاصية تحديداً هي مفتاح فهم كيف استخدمت المدراشات نص حزقيال 29: 3 شاهداً على فرعون موسى لا على فرعون عصر حزقيال وهو ما ستثبته النصوص الآتية.
مدراش مخيلتا الحبر اسماعيل Mekhilta DeRabbi Yishmael
يعدّ هذا المدراش من أقدم المدراشات اليهودية وأكثرها رسوخاً في الدراسات الأكاديمية، وموضوعه الأساسي تفسير سفر الخروج حصراً. وبحسب البروفيسور كاس فيشر فإن الرأي السائد أن آخر تنقيح للنص يعود إلى القرن الثالث الميلادي [4]، مع العلم بأن مادته الجوهرية في الغالب كانت منتشرة شفهيا قبل و أقدم من ذلك بكثير. وسنعود إلى مسألة تاريخ النص وبيان طبيعة المدراشات بتفصيل أكبر في ما بعد في الحواشي [2B].
لقد جاء في هذا النص تصريح واضح بأن فرعون يدعي الألوهية عندما قال "نهري لي وأنا عملته لنفسي":
«من مثلك بين أولئك الذين يسمون أنفسهم آلهة؟، كما جاء: (نهري لي وأنا صنعتُه لنفسي) (حزقيال 29: 3). [5]»
وهذا تصريح أن فرعون ضمن قائمة من الملوك ادّعوا الألوهية ذكرها المدراش، فرعون أولاً وبعده سنحاريب ونبوخذنصر وملك صور. مستدلاً من أسفار متعددة على ألوهية كل واحد منهم:
فقد ادعى فرعون أنه إله، كما قيل: «نهري لي، وأنا صنعته لنفسي» (حزقيال 29: 3.) وكذلك، سنحاريب، إذ قال: «من من جميع آلهة الأراضي أنقذ أرضه من يدي؟» (الملوك الثاني 18 : 35.) وكذلك، نبوخذنصر، إذ قال: «أصعد فوق مرتفعات السحاب، وأصير مثل العلي» (إشعياء 14 : 14.) وكذلك رئيس صور، إذ قيل له: «قل لرئيس صور: من أجل أن قلبك قد ارتفع وقلت: أنا إله»... (حزقيال 28 : 2–9.) [5]
مما يدل على أن هذه القائمة من الملوك كانت مستمدة من العهد القديم قبل الإسلام بقرون، وسنرى أنها ترد في عدد من المصادر، مما يؤكد شيوع هذه المعلومة واستقرارها في التراث.
لكن كيف نعرف أن المقصود هنا هو فرعون موسى؟
وفي تفسيره لآية سفر الخروج (18:10): وقال يثرون: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي أَنقَذَكُمْ مِن أيدِي الْمِصْرِيِّينَ وَمِن يَدِ فِرْعَوْنَ، الَّذِي أَنقَذَ الشَّعْبَ مِن تَحْتِ أيدِي الْمِصْرِيِّينَ.»
يربط المدراش صراحةً آية حزقيال بأحداث سفر الخروج ويستعمله لوصف فرعون موسى:
«من يد المصريين ومن يد فرعون:» أي من يد التنين العظيم، كما جاء في سفر حزقيال (29:3): «التنين العظيم الرابض في وسط أنهاره الذي قال: لي نهري وأنا صنعته لنفسي» [5]
وإضافةً الى أن موضوع المدراش هو سفر الخروج الذي يتمحور بأحداثه حول قصة بين اسرائيل و موسى مع فرعون، إن هذا الربط بين آية حزقيال وأحداث موسى في سفر الخروج لا يدع مجالاً للشك في أن فرعون المذكور هو فرعون موسى تحديداً.
بل إن الراجح أن هذه المعلومة أو ما يقاربها لفظاً ومعنى هي التي وصلت إلى محمد بطريق من طرق النقل الثقافي المتاحة كذلك. ويؤيد هذا الترجيح وجود ما يشابهه بشدة داخل القرآن نفسه، إذ يجمع قوله:
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف : 51]
بين العنصرين نفسيهما اللذين جمعهما حزقيال قبله بقرون: ادعاء ملك الأرض, وجريان أنهارها تحت سلطانه، في صياغة يصعب معها افتراض أنها محض توارد عفوي بين نصين يفصل بينهما هذا المدى الطويل.
مخيلتا الحبر شمعون بن يوحاي
ولا تقتصر الشواهد المدراشية على مخيلتا الحبر إسماعيل وحدها، بل يضاف إليها مخيلتا الحبر شمعون بن يوحاي (Mekhilta de-Rabbi Shimon bar Yohai)، وهي مجموعة من التفسيرات الهلاخية لسفر الخروج، تُنسب تقليديًا إلى شمعون بن يوحاي، أحد أبرز التنّائيم في القرن الثاني الميلادي، وترتبط بمدرسة الحبر عقيبا. وتُعدّ من أقدم مجموعات المدراش الهلاخي المرتبطة بالتفسير الرباني لسفر الخروج، وإن كان النص المعروف اليوم ليس منسوبًا في الدراسات الحديثة بصورة مباشرة إلى تأليف شمعون بن يوحاي، بل أُعيد بناء مادته من شواهد ومصادر مختلفة. وقد بُيّنت أقدميته وموقعه في تقليد المدراش الهلاخي في الحواشي [2B].
وقد جاء في هذا المدراش عند تفسير قوله «فَمَن مِثلُك؟» من نشيد موسى في سفر الخروج 15: 11:
نصٌّ بالغ الأهمية:
«فَفِرعَونُ سمى نفسه إلهاً، كما قيل: (لي نهري وأنا صنعتُ نفسي) (حزقيال 29: 3). فماذا كُتب فيه؟: "هَأَنذا عليك..." أي إن الله أعلن القضاء عليه.» [6]
وهذا المدراش يتفق مع مدراش الحبر اسماعيل في هذا التفسير لآية سفر الخروج وأيضا في نفس لائحة الطغاة الذين ادّعوا الألوهية، التي يتصدرها فرعون ويأتي بعده سنحريب ونبوخذنصر وكذلك حيرام ملك صور، مستدلاً أيضاً بنفس الآيات من أسفار مختلفة تثبت ذلك.
وبما أن هذا المدراش تفسير يتمحور بكامله حول قصة خروج موسى وبني إسرائيل من مصر فإن السياق لا يدع مجالاً للشك في أن فرعون المذكور فيه هو فرعون موسى تحديداً، لا فرعون حزقيال ولا سواه. وقد استشهد المدراش بآية حزقيال 29: 3 لا لأنه يتحدث عن فرعون حزقيال، بل لأن العلماء اليهود اعتبروا هذه الآية وصفاً كاشفاً لعادة الفراعنة عموماً وفرعون موسى خصوصاً، بدليل أنهم أوردوها في معرض تفسير أحداث سفر الخروج بالذات. وسيأتي بيان هذا في شهادة المصادر اللاحقة، لا سيما في كلام القديس جيروم.
مدراش تنحوما
ومدراش تنحوما، الذي يستند في مادته الجوهرية إلى روايات الحبر تنحوما بن عبّا (القرن الرابع الميلادي) وإلى مدراش سابق مفقود يتفق العلماء على أنه أسبق من تأليف مدراش تنحوما بزمن طويل، يتضمن نصاً بالغ الأهمية يسرد محاورة فرعون مع موسى وهارون:
«أنا رب العالم، خلقت نفسي وخلقت النيل، كما هو مكتوب: لي نهري وأنا صنعت نفسي» (حزقيال 29:3). [7]
وهذه العبارة تتطابق دلالياً مع قول القرآن ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ تطابقاً لافتاً لا يمكن إغفاله.
ومن الواضح أن مدراش تنحوما يجمع في استدلاله بنص حزقيال بين المعنيين: «صنعتُه لنفسي» و «صنعتُ نفسي»، وسيأتي لاحقاً بيان أهمية هذا الجمع ودلالته.
مدراش تكوين رباه :
وفي مدراش تكوين رباه (Bereshit Rabbah) الذي يعود تحريره النهائي في الأرجح للنصف الأول من القرن الخامس ميلادي[2B]:
قال الحبر يشوع بن سيمون: اعلم أن الله هو الرب،هو خالقنا ولسنا نحن من صنعنا أنفسنا، بخلاف قول فرعون: نهري لي صنعت نفسي .... قال الحبر آحا Rabbi Aḥa: اعلم أن الله هو الرب، هو خالقنا وله إخلاصنا. [8]
فالمدراش هنا يضع قول فرعون في مقابلة صريحة مع الاعتراف بأن الله هو الخالق وحده، مما يعني أن المفسر اليهودي فهم من مقولة فرعون ادعاءً لصفة الخلق التي لا ينبغي إلا لله. ولعبارة «صنعت نفسي» في هذا النص أيضاً, ستتجلى أهمية خاصة عند الحديث عن القديس جيروم.
سفر الخروج
وثمة نص توراتي آخر يستحق الوقوف عنده، إذ يُلقي ضوءاً على الفهم اليهودي لطبيعة فرعون.
ففي سفر الخروج 7: 1 يقول الله لموسى:
«انظر! أنا جعلتك إلهاً لفرعون! وهارون أخوك يكون نبيك.» [9]
والسؤال الذي يطرحه هذا النص: لماذا يجعل الله موسى «إلهاً» لفرعون تحديداً؟ الإجابة التي استقر عليها المفسرون اليهود هي أن هذا جاء مقابلةً لأن الله أراد أن يُرَدّ على ادعاء فرعون الألوهية بجعل موسى في منزلة الإله بالنسبة إليه.. ليعلم فرعون المدعي أنه لا شيء في هذا العالم، بأن يجعل عليه إنساناً بمنزلة الإله.
مدراش خروج رباه
وقد وثّق هذا الفهم مدراش خروج رباه (Shemot Rabbah) وهو مدراش يهودي كلاسيكي يُفسر سفر الخروج:
«كان فرعون واحداً من أربعة أشخاص جعلوا أنفسهم آلهة فأضرّوا بأنفسهم، وهم: حيرام، ونبوخذنصر، وفرعون، ويوآش ملك يهوذا... فرعون، من أين يُستدل على أنه جعل نفسه إلهاً؟ كما قيل: "نهري لي وأنا صنعته لنفسي"... سلّمه القدوس المبارك هو إلى يد أعدائه... وما الذي أوقع على فرعون هذا العقاب؟ لأنه قال: "نهري لي وأنا صنعته لنفسي". ولهذا قال القدوس المبارك هو لموسى: "انظر، قد جعلتك إلهاً لفرعون."» [10]»
وهذا المدراش يقول صراحةً أن فرعون ادعى الألوهية مستدلاً بآية حزقيال وآية سفر الخروج. وقد ورد نفس الربط في مدراش آخر:
مدراش تنحوما بوبير Midrash Tanchuma Buber, Vaera :
يعزز هذا الفهم ذاته مدراش (Midrash Tanchuma Buber)، الذي أورد نصاً صريحاً يربط بين آية الخروج 7: 1 وادعاء فرعون الألوهية، ويضعه في قائمة واحدة مع سائر الطغاة الذين ادّعوا الألوهية:
«تفسير آخر لقوله: انظر قد جعلتك إلهاً لفرعون. قال القدوس المبارك: ... ومن أين يُستدل على أن فرعون جعل نفسه إلهاً؟ من أنه لا شيء في هذا العالم، فأعلم قيل عن فرعون في حزقيال 3: 29: لي نهري أنا وأنا صنعت نفسي — . وكان فرعون واحداً من أربعة من بني آدم جعلوا أنفسهم آلهة وهم: حيرام، نبوخذنصر، وفرعون، ويوآش... فاذهب وكن أنت الإله ... ولهذا قال القدوس المبارك هو لموسى: لأنه جعل نفسه إلهاً عليه [11]»
وهذان النصان بالغا الأهمية لثلاثة أوجه:
أولها أن آية الخروج 7: 1 يفسرها المفسرون تفسيراً صريحاً بأنّ سبب تلقيب موسى بالإله هو ادعاء فرعون الألوهية، وهو ربط منطقي يكشف أن ادعاء فرعون كان مفهوماً راسخاً في التفسير اليهودي لسفر الخروج تحديداً.
وثانيهما أنهما يستشهدان بالآية نفسها: حزقيال 29: 3 دليلاً على هذا الادعاء، مما يؤكد أن هذه الآية كانت هي المرجع الثابت في التراث العبري لإثبات ادعاء فرعون الألوهية، وأن هذا الربط لم يكن اجتهاداً فردياً، بل تقليداً تفسيرياً مستقراً تكرر في مدراشين مستقلين.
وثالثهما أنهما يضعان فرعون مجدداً في القائمة نفسها مع من صرّحوا بادعاء الألوهية، وهو الجمع نفسه الذي سيفعله القديس جيروم وأوريجانوس في القرنين الرابع والثاني الميلاديين في تفسيرهما لسفر حزقيال كما سيأتي بيانه، مما يثبت أن هذا التصنيف كان مشتركاً بين التراثين اليهودي والمسيحي على حدٍّ سواء قبل الإسلام.
والآن يأتي السؤال المحوري: كيف نحسم الجدل ونقطع الشك باليقين بأن الفهم المدراشي لنص حزقيال 29: 3 سابق على الإسلام؟ هل نجده مذكوراً في كتاب لا شبهة ولا خلاف عليه سابق للإسلام؟
القديس جيروم
يأتينا الجواب من مصدر مسيحي سابق للإسلام بقرون، هو القديس جيروم (ت 420م)، صاحب الفولغاتا، أقدم ترجمة كاملة للكتاب المقدس إلى اللاتينية. وتكتسب شهادة جيروم أهمية خاصة؛ لأنه لم يعتمد في ترجمة العهد القديم على النقل عن الترجمات السابقة فحسب، بل رجع مباشرةً إلى النص العبري واستعان بالأحبار اليهود في فهمه وتفسيره، وهو ما جعل كثيراً من ترجماته وشروحه تعكس الفهم الحاخامي المتداول في عصره [4B]. ومن ثم فإن ترجمته لنص حزقيال 29:3 لا تمثل اجتهاداً شخصياً، وإنما تنقل تقليداً تفسيرياً يهودياً سابقاً للإسلام. وقد جاءت ترجمته لهذا النص في الفولغاتا على النحو الآتي:
"The river is mine, and I made myself" [نهري لي، وأنا صنعت نفسي] [12]
والأمر اللافت أن جيروم لم يكتفِ بهذه الترجمة، بل ترجم الآية التاسعة من نفس الإصحاح بصيغة مختلفة:
"The river is mine, and I made it" [نهري لي وأنا صنعته] [12]
غير أنه في تفسيره لسفر حزقيال جمع المعنيين في موضع واحد بصيغة واحدة:
"Meus est fluvius, et ego feci memetipsum (sive eos)" – [نهري لي، وأنا خلقت نفسي — أو خلقتُه] [13]
وفي استدلاله بالآية في تفسيره لسفر إشعياء اختار الصيغة الثانية:
ولنقرأ أيضًا سفر حزقيال، حيث يُصوّر فرعون الملك تنيناً عظيماً يعيش في الأنهار ويقول: «النهر لي، أنا وأنا صنعت نفسي» (حزقيال 29:3) [14]
وهذا التردد المتكرر لا يُفسَّر إلا بأنه يرى الجملة العبرية الأصلية مزدوجة المعنى، وأن كلا المعنيين جائز ووجيه: «صنعتُ نفسي» و«صنعتُ النهر». بل إن اختياره لصيغة «صنعت نفسي» في تفسيره لسفر إشعياء وهو سياق مستقل تماماً عن سفر حزقيال يُثبت أن هذا المعنى لم يكن زلةً قلم أو خطأً عرضياً، بل كان معنىً راسخاً في ذهنه يعود إليه في أكثر من موضع. كما اعتبر أن كلا المعنيين يدلان على ادعاء الألوهية، إذ إن ادعاء خلق النفس أو ادعاء خلق النهر كليهما من خصائص الإله وهو ما سنرى تفصيله بعد قليل.
أما فيما يتعلق بادعاء الألوهية، فقد حرص جيروم على ذلك في عدة مواضع من تفسيره، إذ نسب إلى فرعون ادعاء الألوهية صراحةً، مستدلاً بقوله إن أنهار مصر وخيراتها كلها ملكٌ له:
«لأنه وقع في هذا التجديف إذ قال إن أنهار مصر وخيراتها كلها له ... وهو الذي ادعى نفسه الخالق» [13]
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يفيض جيروم في مواضع أخرى من تفسيره نفسه شواهد تُغلق باب الجدل وتحكم الحجة,
ففي شرحه لنص حزقيال ينقل جيروم:
«انظر، إنني قادم إليك يا فرعون ملك مصر، أيها التنين العظيم الرابض بين أنهاره، وتقول: نهري لي وأنا صنعت نفسي — أو صنعته» [13]
ثم يشرح دلالة هذا القول:
يخاطب القوة العظيمة الحاكمة التي سُلِّمت لها مصر، والتي رغم ذلك تمرّدت على خالقها، وادّعت السيادة على الأرض لنفسها، وقدّمت نفسها للمصريين كمعبود [13]
أي إن ملوك مصر قد ادّعوا أنفسهم آلهة للمصريين، وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل؛ إذ إن تقديم الإنسان نفسه معبوداً للناس لا يعني إلا ادعاء الألوهية واستحقاق العبادة. ويزيد جيروم الأمر وضوحاً بتصريحه في موضع آخر بأن صدور مثل هذا القول من إنسان أمرٌ مستحيل:
يمكن للفهم الباطني تطبيق ذلك على القوة التي خضعت لها مصر، فمن المحال أن يجرؤ إنسان على أن يقول: أنهاري لي وأنا صنعتها، أو أن يُدعى بالتنين العظيم الرابض بين أنهاره
ومن الجميل أننا نجد هذه الفكرة أيضاً في تفسير مسيحي آخر أقدم من جيروم نفسه، وهو تفسير أوريجانوس لحزقيال في القرن الثاني الميلادي، حيث يقول إن فرعون الذي من لحم ودم ليس مجنوناً بما يكفي ليقول إنه خلق النهر:
«إن فرعون الحقيقي، المادي، لم يبلغ به الجنون حد أن يقول: "الأنهار لي، وأنا صنعتها"». [15]
فجيروم وأوريجانوس هنا يريان أن هذا القول يتجاوز ما يجرؤ عليه إنسان، وهذا وحده كافٍ لإثبات أنهما يفهمانه على أنه ادعاء لصفة إلهية لا مجرد تفاخر بالسلطة. وهو ما يُفسّرونه بأنه كلام شيطان لا كلام بشر.
ومن قرأ السياق الكامل في التفسير يجد أن المتكلم الحقيقي على لسان فرعون هو شيطان مسلط على سلالة الفراعنة كاملة، وليس شخصاً بعينه، مما يؤكد أكثر فأكثر أن النص ينطبق على جميع الفراعنة. [16]
ومما يكمل الصورة أن جيروم وأوريجانوس أيضاً يساويان في تفسيرهما بين فرعون ونبوخذنصر و رئيس صور في خانة ادعاء الألوهية مما يثبت رسوخ هذه القائمة التي سبق أن تطرقنا إليها في المدراشات:
جيروم (القرن الرابع الميلادي):
مكتوب في إشعياء عن نبوخذ نصر ملك بابل أنه ساوى نفسه بقدرة الله وتعالى كبراً حتى تجرّأ فقال: لأعرجنّ فوق نجوم السموات و أكوننّ كالعلي[إشعياء 14:14]... وعن فرعون أنه قال: الأنهار لي وأنا صنعتها، وعن أمير صور أنه قال بتكبّر قلبه: أنا الله وجلست في مجلس الله. [13]
أوريغانوس (القرن الثاني الميلادي):
في صورة نبوخذنصر ملك آشور تُلاحظ أمورٌ لا تنسجم مع شخصيته التاريخية؛ إذ يُنسب إليه قوله: «سأتصرف بقوتي، وبحكمة فهمي سأزيل تخوم الشعوب... وسأنقل مدنهم المأهولة، وأستولي على العالم بأسره...»، وكذلك: «سأصعد فوق نجوم السماء والغيوم...»، ثم: «وسأكون مثل العليّ». وهذه الأقوال تُنسب إلى نبوخذنصر. والأمر نفسه ينطبق على «رئيس صور» وعلى فرعون... [15]
وهذا الجمع بالغ الأهمية من وجهين: أولهما أن جيروم لم يتردد لحظة في تصنيف قول فرعون ضمن فئة من ادّعوا الألوهية صراحةً، مُساوياً إياه بنبوخذنصر الذي وصفه بأنه «ساوى نفسه بقدرة الله» والله هنا مكتوبة بالحرف الكبير (God) في اللاهوت المسيحي بما يعني الرب الأعلى لا مجرد إله من الآلهة. وأيضا قوله «أكوننّ كالعليّ» لا يُفهم إلا على أنه نصب نفسه في مرتبة الربوبية العليا.وأيضا أمير صور الذي قال صراحةً أنا الله, فحين يُساوي جيروم فرعون بهؤلاء فهو يضعه في نفس هذه المرتبة بالضبط. وهذا ما أشارت له المدراشات كما بيننا سابقا.
وثانيهما أن هذا الجمع لم يقتصر على جيروم وحده، بل سبقه إليه أيضا العالم المسيحي أوريجانوس في القرن الثاني الميلادي أي قبل الإسلام بأربعة قرون مما يثبت أن قائمة الطغاة مدعي الألوهية هذه التي تضم فرعون كانت معروفة ومنتشرة منذ القدم كما سبق و نقلنا عن مدراش مخيلتا الحبر اسماعيل و مدراش الحبر شمعون بن يوحاي حيث فسّروا آية "من مثلك" من نشيد موسى في سفر الخروج 15: 11 بالكلام الآتي : "من مثلك بين أولئك الذين يسمون أنفسهم آلهة" وبعدها يشرع المدراش في سرد أسماء اللائحة أولهم فرعون .
2. مصادر أخرى تشير للتأليه
ديودور الصقلي (90–30 ق.م)
ليست المصادر اليهودية وحدها شاهدة على معرفة العالم القديم بتأليه الفراعنة القدماء؛ فقد وثّق ديودور الصقلي (نحو 90–30 ق.م) في موسوعته Bibliotheca Historica أن السجود للملوك وتبجيلهم بوصفهم آلهة كان عرفاً مصرياً عاماً مرتبطاً بالمنصب لا بالشخص، إذ فسّر هذه العادة بأن المصريين كانوا يرون أن:
«such as have the will and the strength to confer the greatest benefactions share in the divine nature» [من يملك الإرادة والقدرة على منح أعظم النعم يشارك في الطبيعة الإلهية]، ومن ثمّ:
«the Egyptians prostrate themselves before their kings and honour them as being in truth very gods» [المصريون يسجدون لملوكهم ويجلّونهم باعتبارهم آلهة بكل معنى الكلمة]. [17]
وهذا يعني أن الألوهية كانت صفة مؤسسية ملازمة لكل من يتولى العرش، لا امتيازاً استثنائياً لفرد دون آخر.
أفراهاط الفارسي (نحو 270 – 345م)
يُضاف إلى شهادة ديودور شاهد مسيحي سرياني مبكر، هو أفراهاط الحكيم الفارسي، أحد أهم الكتّاب السريان في القرن الرابع الميلادي، صاحب مجموعة "التبيينات" (Demonstrations) التي ألّفها على دفعتين، سنة 337م وسنة 344م. والشاهد هنا من التبيين السابع عشر "أن المسيح هو ابن الله"، المؤرخ بسنة 344م، أي قبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون.
يقول أفراهاط في معرض دفاعه عن جواز تكريم المسيح:
«ينبغي أن يعلموا أن ملوك العالم يسمّون أنفسهم آلهة، مستعملين اسم الإله العظيم، ومع ذلك فهم وثنيون، ويُجبرون [الآخرين] على الارتداد. وهم يسجدون لهم، ويخدمونهم ويكرمونهم كما لو كانوا صورًا منحوتة وأصنامًا؛ ومع ذلك فإن الشريعة لم تتهمهم بذلك، وليس في الأمر خطيئة. وكما كان دانيال أيضًا يسجد لنبوخذنصر، الوثني، والمُضلِّل إلى الارتداد، فلم يُوبَّخ. وكذلك يوسف سجد لفرعون، ولم يُكتب أن ذلك كان خطيئة بالنسبة إليه.»[31]
والملفت أن أفراهاط يسوق "فرعون" مباشرة ضمن قائمة الملوك الذين اتُّخذوا آلهة يُسجد لها، مقرونًا بنبوخذنصر ذاته الذي تصدّر قوائم المدراش اليهودي السابق ذكرها. صحيح أن المناسبة المباشرة هي سجود يوسف لفرعون عصره لا فرعون موسى بعينه، إلا أن هذا ينسجم تمامًا مع ما تقرر آنفًا من أن مدار دعوى الإعجاز هو "تأليه الفراعنة" بوصفه ظاهرة عامة لا فرعون بعينه دون سواه، فلا يُخرج هذا التخصيص الشاهد عن هذا الإطار. وقيمة هذا النص أنه يمثل خيطًا مستقلًا ثالثًا بعد اليهودي واليوناني-الروماني، فارسيًا سريانيًا هذه المرة، يؤكد أن ربط لقب "فرعون" بادعاء الألوهية والسجود له كان راسخًا في وعي الشرق الأدنى قبل الإسلام بقرون.
المعلومة في تاريخ الحضارة الفارسية
ويزيد هذا الأمر وضوحاً ما وثّقه الباحثون من أن داريوس الأول ملك الفرس حين تولّى حكم مصر اتخذ لنفسه الألقاب الفرعونية الكاملة؛ فقد وُجد في معبد هيبيس بواحة الخارجة خرطوش يحمل لقبه:
الإله الصالح، ربُّ الأرضين، ربُّ أداء الطقوس، محبوبُ آمون-رع-هيبيس، ابنُ رع، ربُّ الظهورات، داريوس..[32]
وقد كتبت الباحثة مارغريت كول روت، التي تُعد من أبرز المتخصصين في الأيديولوجيا الملكية الأخمينية، في عملها The King and Kingship in Achaemenid Art: Essays on the Creation of an Iconography of Empire:
...كان من أوائل مشروعات داريوس القيام بزيارة رسمية إلى مصر، ولكن هذه المرة لا بصفته مجرد حاملٍ للرمح، بل بصفته فرعون الأرضين، وابن رع، ووارثًا لسلطة لم يسبق لها مثيل.[33]
فالملك الذي يحكم مصر يُطلَق عليه اسم «فرعون»، ويحمل الألقاب الملكية الفرعونية كافة، وتلازم العرشَ مكانةٌ إلهية؛ إذ كانت الألوهية مرتبطةً بالعرش نفسه.
وهذا يؤكد أن معلومة تأليه ملوك مصر كانت معروفة في تاريخ الإمبراطورية الفارسية وقد كانت هذه الأخيرة أقرب الحضارات إلى الجزيرة العربية على تواصل تجاري وثقافي دائم معهم، مما يجعل احتمال جهل البيئة الثقافية المحيطة بالنبي بهذه المعلومة أمراً عسيراً.
وقد امتد هذا التقليد إلى ما بعد الفتح الروماني لمصر، إذ احتفظ بلقب «فرعون» بأبعاده الإلهية حتى القرن الرابع الميلادي. وتكشف هذه الشواهد مجتمعةً وكلها مصادر يونانية ورومانية وكلاسيكية وأثرية سابقة لفكّ رموز الهيروغليفية أن تأليه الفراعنة لم يكن معلومة مجهولة، بل حقيقة شائعة موثّقة في تراث الحضارات القديمة المجاورة للجزيرة العربية، متداولة بالمشافهة والكتابة على حدٍّ سواء.
بيان شهرة قصة فرعون موسى عند العرب
و قد وردت الإشارة إلى فرعون صراحةً في شعر زهير بن أبي سلمى قبل الإسلام، في قوله:
ألم تر أن الله أهلك تُبَّعاً وأهلك لقمان بن عاد وعاديا وأهلك ذا القرنين من قبل ما لوى وفرعون جباراً طغى والنجاشيا [19]
وهذا البيت دليل قاطع على أن فرعون باسمه ووصفه بالجبروت والطغيان كان متداولاً في الثقافة العربية الجاهلية، وأن العرب لم يكونوا بحاجة إلى وحي ليعلموا ما كان عليه فرعون.
وفي السياق ذاته تتضافر شواهد شعرية جاهلية أخرى تُثبت أن قصة موسى وفرعون كانت متداولةً في الجزيرة العربية قبل الإسلام بصورة مفصّلة لا مجرد إشارة عابرة. فقد أورد ابن هشام في سيرته أبياتاً تُنسب إلى زيد بن عمرو بن نفيل أو أمية بن أبي الصلت، وكلاهما جاهلي، تتضمن سرداً لرسالة موسى وهارون إلى فرعون بتفاصيل دقيقة: [20]
وَأَنْتَ الَّذِي مِنْ فَضْلٍ مِنْكَ وَرَحْمَةٍ ... بَعَثْتَ إِلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيَا
فَقُلْتَ لَهُ: يَا اذْهَبْ وَهَارُونُ فَادْعُوَا ... إِلَى اللَّهِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ طَاغِيَا
وَقُولَا لَهُ: آأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ ... بِلَا وَتَدٍ، حَتَّى اطْمَأَنَّتْ كَمَا هِيَا
وَقُولَا لَهُ: آأَنْتَ رَفَّعْتَ هَذِهِ بِلَا ... عَمَدٍ، أَرْفِقْ إِذَنْ بِكَ بَانِيَا
وَقُولَا لَهُ: آأَنْتَ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا ... مُنِيرًا، إِذْ مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَادِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُرْسِلُ الشَّمْسَ غُدْوَةً ... فَيُصْبِحُ مَا مَسَّتْ مِنَ الْأَرْضِ ضَاحِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا
وهذه الأبيات لا تكتفي بذكر اسم فرعون ووصفه بالطغيان، بل تتضمن ما أُمر موسى وهارون بتوجيهه إليه من أسئلة تقريرية تمس صميم قضية الربوبية والألوهية:
هل أنت من ثبّت الأرض بلا أوتاد؟ وهل أنت من رفع السماء بلا عمد؟ وهل أنت من جعل نورها هاديًا في الظلام؟ وهل أنت من يرسل الشمس كل صباح؟ وهل أنت من يُنبت الزرع من الثرى؟
والغرض من هذه الأسئلة إظهار أن الله وحده هو خالق الكون ومدبره، لا فرعون.ومن ثم فإن سياق القصيدة يُرجِّح أن المواجهة تتعلق بادعاءٍ منسوب إلى فرعون يتجاوز مجرد الكفر بالله؛ إذ لم يَأمر الله موسى وهارون بأن يسألاه: «من خلق السماوات والأرض؟»، وإنما أمرهما أن يواجهاه بأسئلة من قبيل: «أأنت سوَّيت هذه؟» و**«أأنت رفعت هذه؟»**، وهي أسئلة تنفي عنه أفعال الخلق والتدبير نفسها، لا مجرد العلم بوجود الخالق. ولذلك يبدو الاحتجاج متجهًا إلى إبطال دعوى ذات صلة بالربوبية أو الألوهية، وإن كانت الأبيات لا تُفصح صراحةً عن حدود تلك الدعوى أو ألفاظها.
ويتعزز هذا الترجيح بمقارنته ببنية حِجاج إبراهيم القرآني ضد من ادّعى الربوبية بقوله "أنا أُحيي وأُميت"، حيث لم يجادله إبراهيم كلامياً بل تحدّاه بفعل كوني يعجز عنه غير الخالق ("فأت بالشمس من المغرب")، فبُهت. وهذه البنية نفسها (ادعاء ربوبية ← تحدٍّ بفعل خلقي ← إفحام) تتكرر في أبيات أمية: فالسياق يصف فرعون بـ"الطاغي"﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾وهو الوصف القرآني المقرون بقوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ ثم تأتي الأسئلة كلها من جنس الأفعال الخلقية ذاتها (تثبيت الأرض، رفع السماء، مسار الشمس) موجَّهة إليه بصيغة استنكارية مباشرة "أأنت فعلت"، وهي صيغة لا تُفهم إلا رداً على دعوى سابقة بامتلاك هذه القدرة. فتطابق البنية والوصف يرجّح أن الأبيات تصوّر تفنيداً مباشراً لادعاء فرعون الألوهية.
وما يزيد هذه الحجة قوةً أن المصادر الإسلامية الداخلية نفسها تشهد على شهرة قصة فرعون في البيئة العربية قبل الإسلام. فقد نصّ أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط على أن فرعون كان معروفاً عند العرب الجاهليين معرفةً واسعة، إذ قال:
«وَذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَ الْعَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ أَيْضًا. أَلَا تَرَى إِلَى زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى وَقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ تُبَّعًا ... وَأَهْلَكَ لُقْمَانَ بْنَ عَادٍ وَعَادِيَا وَأَهْلَكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ مِنْ قَبْلُ مَا نَوَى ... وَفِرْعَوْنَ جَبَّارًا طَغَى وَالنَّجَاشِيَا» [21]
وهذا شاهد بالغ الأهمية لأنه يصدر عن مصدر إسلامي كلاسيكي، يُثبت أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا بحاجة إلى وحي ليعلموا من هو فرعون وما كانت عليه طبيعته في الموروث الديني والثقافي المحيط بهم.
ثالثاً: خلاصة نقد الادعاءات الإعجازية
الادعاء الأول: ادعاء فرعون للألوهية
يقوم هذا الادعاء على فرضية أن المعلومة غائبة عن المصادر السابقة للإسلام. وقد تبيّن مما سبق أن هذه الفرضية لا تصمد أمام الأدلة التاريخية لأسباب ثلاثة:
الأول: أن الكتاب المقدس تضمّن الإشارة إلى تأليه فرعون بصورة شبه صريحة في حزقيال 29: 3 و سفر الخروج 7: 1، وهو ما فهمه العلماء اليهود والمسيحيون على أنه ادعاء للألوهية.
الثاني: أن المدراشات اليهودية، تنحوما, خروج رباه, تكوين رباه, مدراش الحبر شمعون بن يوحاي وأقدمها مخيلتا الحبر إسماعيل التي يُرجَّح تنقيحها الأخير في القرن الثالث الميلادي، صرّحت صراحةً بأن فرعون دعا نفسه إلهاً، مستدلةً بنفس نص حزقيال و أوردته ضمن قائمة ملوك ادّعو الألوهية. وهذا ما وثقه العالم المسيحي القديس جيروم في القرن الرابع. وفيلو الاسكندري من أقدم المصادر اليهودية الذي عاش بين القرن الأول قبل الميلاد و القرن الأول الميلادي تحدث عن ادّعاء فرعون موسى للألوهية و كأنه مُسلّمة و عالجه من الناحية الفلسفية .
الثالث: أن المصادر اليونانية والفارسية-السيريانية من القرن الأول قبل الميلاد الى القرن الرابع الميلادي، كديودور الصقلي و أفراهاط الفارسي، أثبتت تأليه ملوك مصر بشكل صريح، وهي مصادر دوّنت الظاهرة قبل الإسلام بقرون.
ويُضاف إلى ذلك أن ثمة استنتاجًا منطقيًا بسيطًا كان في متناول أي مفكر في تلك البيئة الثقافية؛ فالأرض في القدم كانت حافلة بالملوك مدّعي الألوهية، من فراعنة مصر وملوك بابل وآشور إلى ملوك اليونان والفرس والرومان ممن ادعوا النسب الإلهي أو تلقوا العبادة، حتى غدت هذه الدعوى سمة شبه مألوفة للسلطة المطلقة في العالم القديم لا استثناءً نادرًا. وإذا كان هذا الادعاء بهذا الشيوع، فمن الطبيعي أن يفترض أي ناظر في أخبار الملوك القدامى أن فرعون، وهو من أشدهم سطوة وطغيانًا، لم يكن ليشذّ عن هذا النمط السائد في محيطه. وعليه، فإن هذه المعلومة يمكن الوصول إليها بالاستدلال، حتى في غياب نص صريح، ولا يلزم أن تكون مستندة إلى وحي.
الادعاء الثاني: الفرعون جعل نفسه الإله الأعلى
يزعم الإعجازيون أن القرآن وصف فرعون بأنه جعل نفسه «الإله الأعلى»
فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (النازعات - 24)
وأن هذا يطابق حقيقة دينية في مصر القديمة.
سيكون الرد، بغض النظر عن صحة هذه المعلومة أو نسبتها إلى فرعون موسى، لا سيما أن هذه النسبة لم تُنسب إلا إلى عدد محدود من الفراعنة، فضلًا عن أن مسألة تحديد هوية فرعون موسى لا تزال من القضايا الخلافية في علم المصريات؛ فلا يوجد دليل أثري أو تاريخي قاطع يحسم شخصيته، وإنما تقوم الترشيحات المطروحة على قرائن وتشابهات مفترضة، ولم يصل الباحثون إلى اتفاق بشأنها حتى اليوم.
أما على صعيد المعلومة بصرف النظر عن صحتها التاريخية، فقد بيّنا أن مدراش تنحوما ذكر بالتفصيل أن فرعون أعلن أمام موسى وهارون:
فقال لهما: «لقد كنتم تكذبون منذ البداية! فأنا ربّ العالم، وأنا الذي خلقتُ نفسي وخلقتُ النيل، كما هو مكتوب: "نهري لي وأنا صنعته لنفسي" (حزقيال 29: 3). ثم جمع في تلك اللحظة جميع حكماء مصر، وقال لهم: «لعلّكم سمعتم بإله هذين؟» فقالوا له: «لقد سمعنا أنه ابن الحكماء وابن الملوك الأوائل.» [7]
ففي السياق الكامل، يستعرض فرعون قائمة بآلهة المدن والشعوب المجاورة، ثم يتساءل عن مكان إله موسى وهارون بينها. فيجيبه موسى وهارون بأن إلههما لا يُقاس بهذه الآلهة البشرية الفانية، لأنه الإله الأزلي الذي خلق العالم وخلق فرعون نفسه. عندئذٍ يردّ فرعون معلناً أنه هو رب العالم، وأنه خلق نفسه وخلق النيل، واضعاً نفسه فوق آلهة الممالك جميعاً، بل وفي مواجهة مع إله موسى نفسه، بحيث يأخذ دور الله ويحل محله. وهذا هو المعنى الذي تعبّر عنه عبارة (أنا ربكم الأعلى) بأوضح صورة.
بل إن هذا الاستنتاج بعينه هو ما توصل إليه فعلاً القديس جيروم في القرن الرابع الميلادي، حين وضع فرعون صراحة -إلى جانب نبوخذنصر ورئيس صور- ضمن قائمة واحدة ممن ادّعوا أن يكونوا (God) بالحرف الكبير في اللاهوت المسيحي، أي الرب الأعلى ذاته لا مجرد إله من جملة الآلهة [13]
رابعاً: نقد المنهجية الإعجازية
يكشف تتبع هذه الأدلة خللاً جوهرياً في منهج الاستدلال بالإعجاز التاريخي، يتجلّى في عدة مظاهر:
1. مغالطة الصمت
تقوم كثير من الاستدلالات الإعجازي التاريخي على ما يُعرف بـ «مغالطة الصمت» (Argument from Silence)، وجوهرها الاستدلال بغياب الدليل على غياب الظاهرة. فحين لا يجد الإعجازي مصدراً مكتوباً قبل الإسلام يتضمن معلومةً بعينها، يستنتج مباشرةً أنها كانت مجهولة، ليزعم أن ورودها في القرآن لا يُفسَّر إلا بالوحي. وهذا خلط واضح بين أمرين منفصلين: غياب التوثيق وغياب المعلومة ذاتها.
والأصل في تاريخ المعرفة الإنسانية أن ما وصلنا من مصادر قديمة لا يُمثّل إلا شريحة ضيقة مما كان فعلاً موجوداً تدويناً، إذ اندثرت آلاف المخطوطات وضاعت بفعل الحرائق والغزوات وعوامل الزمن. بل إن الرواية الشفهية والتداول الثقافي لم يكن رهيناً بالقناة الأوسع لنقل الأفكار، والقصص، وكثير مما دُوّن لاحقاً لم يكن إلا تثبيتاً لمعارف متداولة شفهياً من قبل. فغياب مصدر مكتوب بعينه لا يُثبت غياب المعلومة، بل يعكس في الغالب حوادث تاريخية في الحفظ والنقل لا أكثر.
وهنا يظهر الخلل: فدعوى الإعجاز تشترط لإثبات نفسها أن تكون المعلومة مجهولة، ثم تستدل على هذه الجهالة بمجرد غياب التوثيق، وهو ما لا يصلح دليلاً في أي معيار أكاديمي. وسيأتي بيان ما يترتب على هذا من أخطاء منهجية أخرى.
2. اشتراط المعرفة الكتابية المباشرة
تكرّر في إعتراضات الإعجازيين ادعاء مفاده أن محمداً لو أخذ المعلومة من المصادر السابقة لكان ذلك يستلزم اطّلاعه المباشر على الكتب والنصوص. غير أن هذا الاشتراط يتجاهل الطريقة الأكثر شيوعاً في انتشار المعلومات عبر التاريخ، وهي الرواية الشفهية والتداول الثقافي. فالتاجر والمسافر والراهب والحبر كانوا ناقلين فاعلين للقصص والأساطير بين الحضارات، دون أن يكون أيٌّ منهم قد قرأ أصل النص.
3. تغليب الاحتمال الأبعد
يواجه الباحث النزيه في هذه المسألة احتمالَين: إما أن محمداً أخذ الفكرة عمّن يعرفها من اليهود والمسيحيين والمثقفين العرب، وإما أن هذه المعلومة كُشفت له وحياً. والاحتمال الأول هو الأكثر اتساقاً مع ما أثبتناه من ذيوع هذه الفكرة في الثقافة القديمة، ولذا فإن منهج الاستدلال السليم يلزم بالأخذ بالأكثر احتمالاً قبل اللجوء إلى تفسير خارق.
الحواشي
[1B] أسلوب المدراشات في التفسير (ردا على اعتراض فرعون حزقيال و ليس موسى)
المدراش هو تفسير لتوراة التناخ يغلب عليه التأويل الباطني للنصوص؛ فالأحبار طالما استنبطوا معانيَ إضافية جديدة أثناء تأويلهم للتناخ، دون مراعاة حرفية النصوص ولا سياقها النصي أو الزمني الأصلي. ما يُقال في عصر يمكن أن ينطبق على كل العصور، وما يُقال عن شخص يمكن أن يُقال على أشخاص آخرين.
وقد أوضح الباحث إرفنغ جاكوبس (Irving Jacobs) المتخصص في الأدب الحاخامي والتفسير في كتابه The Midrashic Process: Tradition and Interpretation in Rabbinic Judaism:
"...كان ينبغي النظر حتى إلى أكثر الألفاظ والتعابير شيوعًا بل وحتى الحروف والأدوات اللغوية اللازمة لعمل اللغة العبرية على أنها «حاويات» لمعانٍ أعمق، يتعين على المفسِّر استخراجها وكشفها." [22].
ويقوم هذا على افتراض أن التعبير الكتابي، بغضّ النظر عن دلالته المعتادة أو معناه الظاهر، يمكن أن يكتسب معنىً جديداً مختلفاً تماماً، بل غير مرتبط بمعناه الأصلي، من القياس أو «المناخ» الذي يرد فيه [22]".
وفي السياق ذاته يُشير القس أوليفر إدواردز (Rev. O.C. Jr. Edwards) في كتابه A History of Preaching:
"بفضل مناهج تفسيرية جريئة في أحيان كثيرة، نجح الوعّاظ في جعل الكتاب المقدس مصدراً لا ينضب من المعاني والإلهامات الجديدة، إذ يجد فيه كل جيل أجوبة لمشكلاته." [23]
ويوضح ذلك أيضاً ما أورده المستشرق هيرمان ستراك (Hermann Strack) في كتابه الكلاسيكي Introduction to the Talmud and Midrash من أن المدراش يأخذ الكتاب المقدس كلاً موحداً يحمل كل آياته رسالة إلهية واحدة، وأن أي آية منه يمكن أن ترتبط بأي آية أخرى بغض النظر عن السياق:
"يأخذ المدراش بمبدأ التفسير في سياق نشأته باعتباره أمرًا مسلمًا به، فيفسر الكتاب المقدس انطلاقًا من الكتاب المقدس. غير أن السياق هنا هو الكتاب المقدس بأكمله؛ إذ يمكن ربط أيٍّ من آياته بآية أخرى، بينما نادرًا ما تكون النية الخاصة لسفر بعينه هي موضع الاهتمام. فالمرء يواجه الكتاب المقدس بوصفه كلًّا متكاملًا، ولذلك فهو يحمل رسالة إلهية موحّدة." [29]
ومن هنا يتضح أن المدراش في فضائه التأويلي الواسع كان يربط بين آيات من إصحاحات معينة بآيات أخرى بعيدة زماناً وسياقاً، بحيث تصبح التوراة كلها نسيجاً واحداً متشابكاً يفسّر بعضها من إصحاحات أخرى. وهذه الخاصية تحديداً هي مفتاح فهم كيف استخدمت المدراشات نص حزقيال 29: 3 شاهداً على فرعون موسى لا فرعون عصر حزقيال وهو ما يتضح في النصوص الآتية.
[2B] أقدمية المدراشات
لفهم عملية تشكّل المدراش (أيّ مدراش) يجب أن نميّز ثلاث مراحل:
- مرحلة تداول الروايات شفهياً قبل تدوين المدراش نفسه، وهي عملية قد تستغرق قروناً, اذ تشكّل هذه الروايات القديمة المادة الجوهرية للمدراش.
- مرحلة تدوين نص المدراش في شكله الأولي.
- مرحلة التنقيح، والإضافات وهي بدورها قد تستمر قروناً.
وكلمة «مدراش» ليست اسم كتاب بعينه، بل اسم لطريقة معينة في التفسير الباطني للنصوص كما تقدم بيانه. وأقدم دليل على استعمال اليهود لهذه الطريقة يعود إلى زمن مبكر جداً سابق لكتب المدراشات ذاتها، إذ وُجدت روايات وتفسيرات مدراشية في مخطوطات البحر الميت التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد [25].
وبهذا المعنى يتحدث العلماء أيضاً عن «مدراش مسيحي»، رغم أن المسيحيين لا يملكون كتاباً بهذا الاسم، والمقصود هو استعمالهم لتلك الطريقة التفسيرية ذاتها في إنتاج تفسيرات جديدة للكتاب المقدس.
ومن هنا نفهم أن ما يذكره مدراش بعينه في القرن الرابع مثلاً كان على الأرجح فكرة شفهية كان اليهود يتداولونها قبل التدوين بقرون. وأقرب تشبيه لذلك كتب التفسير الحديثية والإسلامية تدوّن مادة من زمن النبي والصحابة بعد قرون.
- مخيلتا الحبر إسماعيل
أما بالنسبة لمدراش مخيلتا الحبر إسماعيل (Mekhilta de-Rabbi Ishmael)، فإن كتاب Introduction to the Talmud and Midrash، وهو من أهم المراجع الأكاديمية المعاصرة في دراسة الأدب الرباني والتلمود والمدراش، يقرر أن الأدلة الداخلية للنص تشير إلى أن التحرير النهائي للمخيلتا يرجع إلى النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، إذ يقول:
عموماً، فإن الصياغة الأدبية للتقاليد الفردية، وأسماء الحاخامات المذكورين فيها، والإشارات التاريخية الواردة بالنص، كلها تدل على أن التحرير النهائي للمِخيلتا يرجع إلى النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي.[29]
وقد سبق أن أشرنا أيضا لتصريح البروفيسور كاس فيشر بأن آخر تنقيح لنص مدراش الحبر اسماعيل يعود إلى القرن الثالث، بحسب الرأي الأكاديمي السائد، وشذ عن إجماعهم عالم واحد:
"على الرغم من أن أحد الباحثين جادل بأن هذا النص يعود إلى مصر في القرن الثامن الميلادي، فإن الرأي الأكثر قبولاً بين الباحثين هو أن النص ذو أصل فلسطيني وأنه خضع لتحريره النهائي في القرن الثالث الميلادي.. [4]
وهذا الباحث الذي شذ عن هذا الإجماع هو بن صهيون فاخولدر (Ben Zion Wacholder)، الأستاذ الأمريكي المتخصص في الدراسات اليهودية، والذي نشر سنة 1968 دراسة بعنوان The Date of the Mekilta de-Rabbi Ishmael: A Reassessment («تاريخ مخيلتا الحبر إسماعيل: إعادة تقييم»)، حاول فيها الاعتراض على التأريخ المبكر لمدراش مخيلتا الحبر إسماعيل. ومن اللافت أن فاخولدر نفسه يعترف بانعقاد الإجماع الأكاديمي قبله على التأريخ المبكر للمدراش، بل يذكر عددًا من أبرز الباحثين الذين تبنوا هذا الرأي، إذ يقول:
"It is the consensus of scholars (to wit, Zunz, Weiss, Friedmann, Hoffmann, Bacher, Lauterbach, Ginzberg, J. N. Epstein, Finkelstein) that the Mekilta of Rabbi Ishmael reflects the second century tannaitic halakah." [26]
الترجمة: أجمع العلماء (وهم: تسونتس، فايس، فرايدمان، هوفمان، باخير، لوتيرباخ، وجينبرغ، و ج.ن إبستين، وفينكلستين) أن مخيلتا الحبر اسماعيل تعود إلى القرن الثاني. [26]
غير أن هذه الأطروحة لم تصمد أمام النقد الأكاديمي؛ إذ ناقشها عدد من المتخصصين وردّوا أدلتها تفصيلًا. وقد لخّص كتاب Introduction to the Talmud and Midrash أهم وجوه هذا الرد، مبينًا أن حجج فاخولدر غير سليمة، وأن المقارنة الدقيقة للنصوص تقود إلى النتيجة المعاكسة، إذ يقول:
ومن الأسهل تأريخ التحرير النهائي للمِخيلتا. فقد اقترح بن صهيون فاخولدر أن أصل هذا المؤلَّف يرجع إلى مصر في القرن الثامن الميلادي، أو إلى مكان آخر في شمال أفريقيا. ويستند في ذلك إلى أن المِخيلتا تستخدم التلمود البابلي وكتابات ما بعد التلمود، وتُنسب فيها أقوال إلى تنائيم بصورة مختلقة، كما أنها تُظهر جهلًا بأحوال العصر التلمودي؛ بل إن القسم الخامس من «كسفا» يستخدم حتى تقليدًا من العصر الجاؤوني. غير أن الفحص الدقيق للمقاطع الفردية يبيّن أن هذه الحجج غير سليمة. بل على العكس، ففي المواضع التي توجد فيها تقاليد متوازية، تحتفظ المِخيلتا عادةً بالنص الأقدم مقارنةً بمؤلفات مثل التلمود البابلي، والسِّفري، ومدراش شموت رباه. كما أن ذكر بني إسماعيل لا يستلزم بالضرورة افتراض الحكم الإسلامي.(وللرد على نظرية فاخولدر، انظر أيضًا: م. كاهانا، مجلة «تربيز» (Tarbiz)، المجلد 55 (1985–1986)، ص 515–520).[29]
ثم جاءت دراسة مناحم كاهانا، لتفند أطروحة فاخولدر تفصيلًا، وتناقش أدلتها واحدًا واحدًا، مؤكدةً أن فرضية التأريخ المتأخر لا تنهض أمام الأدلة اللغوية والتاريخية والنصية.[30]
- مخيلتا الحبر شمعون بن يوحاي
أما بالنسبة لمدراش مخيلتا الحبر شمعون بن يوحاي (Mekhilta de-Rabbi Simeon ben Yoḥai)، فإن كتاب Introduction to the Talmud and Midrash، يرى أن تأريخ هذا المدراش لا يزال محل نقاش بين الباحثين، مع ترجيح أن يكون تحريره النهائي قد تم خلال القرن الرابع الميلادي، وعدم وجود ما يوجب تأخيره إلى بداية القرن الخامس، إذ يقول:
يرى م. د. هير (M. D. Herr) أن الأمر نفسه ينطبق على المرحلة المتأخرة من العبرية المشناوية المستخدمة في مخيلتا الحبر شمعون بن يوحاي (MRS)؛ إلا أنه من المشكوك فيه ما إذا كان ينبغي، استنادًا إلى هذا وحده، موافقته في تأريخ المدراش إلى فترة لا تسبق بداية القرن الخامس الميلادي. ويبدو أن أي تأريخ يقع في القرن الرابع الميلادي يظل محتملًا بالقدر نفسه، إلا أننا لا نزال بحاجة إلى دراسات تفصيلية متخصصة يمكنها أن تحدد تاريخًا أكثر دقة.[29]
وعليه، فإن هذا المرجع الأكاديمي يرجح أن التحرير النهائي لمدراش مخيلتا الحبر شمعون بن يوحاي يعود إلى القرن الرابع الميلادي، مع إقراره بأن تحديد تاريخ أدق لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات المتخصصة، وهو ما يعني أن المدراش وفق الرأي الراجح يسبق ظهور الإسلام بزمن.
- مدراش تكوين رباه Bereshit/Genesis Rabbah
وأما بالنسبة لمدراش تكوين رباه، فإن كتاب Introduction to the Talmud and Midrash يحدد تاريخ تحريره النهائي اعتماداً على أسماء الحاخامات والأحداث المذكورة فيه، وعلى كونه لا يقتبس من التلمود الفلسطيني بصيغته النهائية رغم معرفته بأحدث طبقات مضمونه، إذ يقول:
"وبالاعتماد على أسماء الحاخامات والأحداث المذكورة فيه، لا يلزم إلا القول بأنه كُتب بعد سنة 400م. وبما أن التكوين رباه لا يقتبس بعدُ من التلمود الفلسطيني بصيغته النهائية، مع أنه يعرف حتى أحدث طبقاته، فإن التحرير النهائي لهذا المدراش كان على الأرجح معاصرًا تقريبًا للتحرير النهائي للتلمود الفلسطيني، أي في القرن الخامس الميلادي، وعلى الأرجح في نصفه الأول."[38]
فتحديد التاريخ هنا كما في حالتي مخيلتا إسماعيل ومخيلتا شمعون بن يوحاي يخص التحرير الكتابي النهائي فحسب؛ إذ إن معرفة المدراش بمضامين متأخرة نسبياً لا تنفي كون جوهر مادته كالرواية التي استشهدنا بها عن الحبر شمعون بن يوحاي والحبر آحا في تفسير قول فرعون "نهري لي وأنا صنعته" قد ظل متداولاً شفهياً بين الأحبار عقوداً أو أجيالاً قبل أن يأخذ صورته المدوَّنة الأخيرة.
[3B] فعل عسيت في آية حزقيال
من الملاحظ أن الفعل العبري المستخدم في هذه المقولة هو "عسيتي" (עשיתי) بمعنى عملت أو صنع، وهو نفسه يظهر في أول صفحة من التوراة للدلالة على عملية خلق المخلوقات ولكن كانت بصيغة المضارع الدال على الماضي (ويعس) (וייעש) لاتصاله بالواو التحويلية.
[4B] اعتراض أن جيروم هو المنفرد بترجمة صنعت نفسي دون سائر المسيحيين
قبل الشروع في الجواب، يجدر بنا الإشارة مجدداً إلى أن الترجمة نفسها وردت في عدة مدراشات كما سبق أن أشرنا.
مدراش تنحوما : Midrash Tanchuma, Vaera 5, مدراش تكوين رباه : Bereshit Rabbah 100:1 و مدراش تنحوما بوبير : Midrash Tanchuma Buber, Vaera 8:1
وبعد اثبات وجود نفس الترجمة في التراث اليهودي فالجواب على الاعتراض السابق يسقط حين نعلم أن جيروم لم يخترع هذه الترجمة من عنده، بل كان يرجع إلى الأحبار اليهود مباشرةً في صياغة ترجمته وتفسيره، وهو ما وثّقته الدراسات المتخصصة في منهجه. كمايكل غريفز في "Jerome's Hebrew Philology" ص98، وهو ما ثوثق تفسيره
وأخيرًا: سنعرض أمثلة يبدو فيها أن فهم جيروم للكلمة العبرية مستقل عن أي شاهد يوناني، وفي بعض هذه الحالات يتوافق تفسيره مع تفسير معروف في التقليد الحاخامي. [27]
سيتضح أنه كان بالفعل يستعين بالمصادر اليونانية في تفسيره اللغوي، لكنه كان أيضًا يستخدم النص العبري الأصلي لتفسير الشواهد اليونانية. [27]
ويؤكد ذلك أيضاً ما ذكرته دراسة Of Wood and Stone: The Significance of Israelite Cultic Items in the Bible and Its Early Interpreters:
«ومن السمات المميزة في عمل جيروم الأخيرة، والتي تكتسب أهمية خاصة، استخدامه للمصادر والآراء الحاخامية بوصفها جزءًا من ترجماته. ووفقًا لآدم كاميسار، كان جيروم يعتقد أن الإلمام بالتراث العلمي اليهودي "كان عنصرًا أساسيًا" في دراسة الكتاب المقدس ». [28]
وعليه فإن اختياره لصيغة «صنعت نفسي» لم يكن اجتهاداً شخصياً معزولاً، بل انعكاساً للفهم اليهودي الراسخ للنص في القرن الرابع الميلادي كما اثبات المدراشات. وهذا بدوره يعني أن المادة الجوهرية التي سيدوّنها مدراش تنحوما لاحقاً كانت متداولة تفسيرياً عند اليهود قبل جيروم نفسه، وأن جيروم لم يفعل إلا أن نقلها إلى اللاتينية.
[5B] اعتراض على دلالة نص حزقيال
اعترض البعض بأن فرعون قصد أنه شق بعض القنوات المائية، وهو اعتراض سخيف لأن مدعي الألوهية قد يعيها بتضخيم أعماله البشرية كما في مقولة النمرود المشهورة: "هذا أحييته وهذا أمته". فلا تعارض هنا، بل بعض المسيحيين تبنوا فكرة القنوات المائية وفي نفس الوقت اعتبروا الكلام ادعاءً للألوهية، كما في تعليق موقع الأنبا تكلا على الآية هنا.[24]
المراجع
[1] Philo, On the Posterity and Exile of Cain 42–43, in On the Cherubim... On the Giants, trans. F. H. Colson and G. H. Whitaker, Loeb Classical Library 227 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1929), 393–395. الكتاب متاح هنا، والنص متاح على Archive.org هنا.
[2] سفر حزقيال، الإصحاح 29، الآية 3. وكذلك الآية 9 من نفس الإصحاح التي تُوضح أن الله سيعاقب فرعون بسبب هذه المقولة تحديدًا ليعلم الجميع أنه هو الرب. هنا
[3] John H. Walton, Victor H. Matthews, Mark W. Chavalas, The IVP Bible Background Commentary: Old Testament, InterVarsity Press, 2000، عند تفسير حزقيال 29:3: "Ezekiel is most likely addressing the office of pharaoh in general, rather than any particular monarch."
[4] Cass Fisher, "Reading for Perfection: Theological Reflection and Religious Practice in the Exodus Commentary of Mekhilta de-Rabbi Ishmael", Academia.edu. وينقل فيشر أن الرأي الأكاديمي السائد يؤخّر التنقيح الأخير للنص بالقرن الثالث الميلادي. هنا الصفحة 143.
[5] Mekhilta DeRabbi Yishmael, Tractate Shirah 8:7، النص متاح مباشرةً على موقع Sefaria.org هنا
وفيه: "Pharaoh called himself a god, viz. (Ezekiel 29:3) Mine is my river (the Nile), and I have made it".
وانظر أيضًا: Mekhilta DeRabbi Yishmael, Tractate Amalek 3:41، النص متاح على Sefaria.org هنا، وفيه: "from the hand of Egypt and from the hand of Pharaoh": from the great serpent, viz. (Ezekiel 29:3) "the great serpent sprawling in its Nile, who said 'Mine is the Nile and I have made it for myself'"
[6] Mekhilta DeRabbi Shimon Ben Yochai 15:11، النص متاح مباشرةً على موقع Sefaria.org هنا
النص: ד"א מי כמכה באלו שקראו עצמן אלהות: פרעה קרא עצמו אלוה שנ' (יחזקאל כ"ט ג') לי יארי ואני עשיתני מה כתיב בו הנני אליך
[7] مدراش تنحوما، سفر خروج، القسم 5 (Vaera 5)، رابط النص العبري الفقرة الخامسة. סימן ה هنا و
الرابط على موقع Sefaria هنا اقرأ ابتداءًا من R. Levi stated
[8] Bereshit Rabbah 100:1 - Sefaria. here
[9] سفر الخروج 7:1 متاح على موقع الأنبا تكلا هنا
[10] Shemot Rabbah 8 – The Sefaria Midrash Rabbah، beginning "Pharaoh was one of four people who rendered themselves deities…,". here
[11] Midrash Tanchuma Buber, Vaera 8:1. here
[12] Commentaria in Ezechielem (Hieronymus), Chapter 9، النص اللاتيني الكامل متاح هنا.
والترجمة اللاتينية (الفولغاتا) لحزقيال 29:3 متاحة هنا
[13] St. Jerome, Commentary on Ezekiel, Book 9, pp. 320, 333–334, 339, in: Thomas P. Scheck (trans.), St. Jerome: Commentary on Ezekiel, Ancient Christian Writers series, The Newman Press.
[14] Thomas P. Scheck, St. Jerome: Commentary on Isaiah, Including St. Jerome's Translation of Origen's Homilies 1–9 on Isaiah (New York/Mahwah, NJ: The Newman Press, 2015), 228.
[15] Origen of Alexandria, Exegetical Works on Ezekiel: The Fourteen Homilies and the Greek Fragments of the Homilies, Commentaries and Scholia, trans. and annotated by Mischa Hooker, ed. Roger Pearse (Ipswich: Chieftain Publishing, 2014), 363. متاح here.
[16] Origen of Alexandria, Exegetical Works on Ezekiel, 363. يمكن الاطلاع على السياق الكامل للكلام عند جيروم بدءًا من الصفحة 320 وعند أوريجانوس بدءًا من الصفحة 357.
[17] Diodorus Siculus, Bibliotheca Historica, Book I (القرن الأول قبل الميلاد). متاح هنا. والرد على دعوى التناقض في نص داريوس هنا
[18] Černý, J. (1952). Ancient Egyptian Religion. London: Hutchinson's University Library, p. 43: "...He was the oldest, the only one, and came into existence by himself." Available here.
[19] ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى - لزهير بن أبي سلمى (جاهلي) متاح هنا
[20] سيرة ابن هشام - ت سعد – عبد الملك بن هشام (1 / 211) متاح هنا
[21] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ط. الفكر، (10/447). متاح هنا. وقد صرّح بأن ذكر فرعون في القرآن جاء لشهرة قصته عند أهل الكتاب والعرب الجاهليين على حدٍّ سواء، مما ينفي أن تكون المعلومة غائبة عن محيط النبي الثقافي.
[22] Irving Jacobs, The Midrashic Process: Tradition and Interpretation in Rabbinic Judaism (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), Page 4
[23] Rev. O.C. Edwards Jr., A History of Preaching, Volume 1, Abingdon Press. link is here
[24] تادرس يعقوب ملطي، تفسير سفر حزقيال، الأصحاح التاسع والعشرون، موقع الأنبا تكلا هيمانوت هنا
[25] Paul Mandel, "Midrashic Exegesis and Its Precedents in the Dead Sea Scrolls," Dead Sea Discoveries 8, no. 2 (2001): 149–168. الرابط here
[26] Ben Zion Wacholder, "The Date of the Mekilta de-Rabbi Ishmael," Hebrew Union College Annual 39 (1968): 117–144. الرابط here
[27] "Jerome's Hebrew Philology" a Study Based on his Commentary on Jeremiah, Michael Graves p.98 here
[28] "Of Wood and Stone": The Significance of Israelite Cultic Items in the Bible and Its Early Interpreters p. 294 here and available here
[29] Strack, Hermann L., and Günter Stemberger. Introduction to the Talmud and Midrash. Translated and edited by Markus Bockmuehl. 2nd ed. Minneapolis: Fortress Press, 1996, p.237,255,259,279.
[30] Kahana, Menahem. “Review of Ben Zion Wacholder, The Date of the Mekilta de-Rabbi Ishmael: A Reassessment.” Tarbiz 55 (1985–1986): 515–520. available here
[31] Aphrahat, Aphrahat Demonstrations II, trans. Kuriakose Valavanolickal (Piscataway, NJ: Gorgias Press, 2011), Demonstration XVII.8, p. 146 available here.
[32] David Klotz, Adoration of the Ram: Five Hymns to Amun-Re from Hibis Temple, Yale Egyptological Studies 6 (New Haven, CT: Yale Egyptological Seminar, 2006), 16 available here text : The Good God, Lord of the Two Lands,Lord of accomplishing rites, Beloved-of-Amun-Re-of-Hibis the Son of Re, Lord of Appearances, Darius.....
[33] Margaret Cool Root, The King and Kingship in Achaemenid Art: Essays on the Creation of an Iconography of Empire, Acta Iranica 19 (Leiden: E. J. Brill, 1979), 40 available here.




