حيث تتلاشى الخرافة

الرد على دعوى الإعجاز في عدة المرأة

في وقفة أخرى مع إدعاء إعجازي أخر منتشر بين عوام المسلمين، نكشف عن كافة الإشكالات الموجودة في الإدعاء سواء من الناحية الفقهية أو العلمية، حيث سنتعرض هنا لإدعاء يتعلق بعدة المرأة.

الرد على دعوى الإعجاز في عدة المرأة

عرض الحجة:

مجددا مع إدعاء اعجازي منتشر بين العوام، وهو إدعاء الإعجاز في عدة المرأة، والذي يحتوي على الكثير من الأخطاء الواضحة لأي شخص له ثقافة عامة في العلوم، كما أنه لا يحتوي على أي مصادر تدعمه، فهو يعتمد في إنتشاره على ضعف التفكير النقدي لدى بعض الناس التي تصدق أي شيء يقال لصالح دينها.

يقول الإدعاء:

فسر العلماء فترة "العدة" للنساء للتأكد من خلو الرحم من جنين، وأنها مهلة للصلح بين الزوجين، وهذا صحيح، ولكن هناك سبباً آخر اكتشفه العلم الحديث، وهو أن السائل الذكري يختلف من شخص إلى آخر، كما تختلف بصمة الإصبع، وإن لكل رجل شفرة خاصة به.
وجميع اللواتي يمارسن مهنة الدعارة يصبن بمرض سرطان الرحم، وأن المرأة تحمل داخل جسدها ما يشبه بالكمبيوتر، يختزن شفرة الرجل الذي يعاشرها، وإذا دخل على هذا الكمبيوتر أكثر من شفرة، كأنما دخل فيروس إلى الكمبيوتر، ويصاب بالخلل والاضطراب والأمراض الخبيثة.
ومع الدراسات المكثفة للوصول لحل أو علاج لهذه المشكلة، اكتشف الإعجاز، واكتشفوا أن الإسلام يعلم ما يجهلونه، وهو أن المرأة تحتاج نفس مدة العدة التي شرعها الإسلام، حتى تستطيع استقبال شفرة جديدة بدون إصابتها بأذى، كما فسر هذا الاكتشاف، لماذا تتزوج المرأة رجلاً واحداً، ولا تعدد أزواج.
لكن لماذا تختلف مدة العدة بين المطلقة والأرملة؟
أجريت الدراسات على المطلقات والأرامل، فأثبتت التحاليل أن الأرملة تحتاج وقتاً أطول من المطلقة لنسيان هذه الشفرة، وذلك يرجع إلى حالتها النفسية، حيث تكون حزينة أكثر على فقدان زوجها، إذ لم تصب منه بضرر الطلاق بل توفاه الله، لذلك هي لا تستطيع نسيان ذلك الزوج، الذي عاش معها حياة السعادة، لأن من طبع المرأة الغريزي الوفاء والإخلاص، وأن الخيانة طبع دخيل عليها.

من شدة ضعف هذا الادعاء، فقد سبق أن ردّ عليه عدد من المسلمين ردودًا مفصلة، وهو ما يسعى هذا المقال إلى تقديمه أيضًا، ليكون مرجعًا لمن يصادف هذا الادعاء في محيطه أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

الرد من الناحية الفقهية:

يتضمن هذا الادعاء العديد من التناقضات مع أحكام الفقه الإسلامي، من أبرزها ما يلي:

  • أولا: أن الزوجة لو كانت في خصام مع زوجها أو كانت في هجران معه ثم توفي أثناءه فإن العدة تلزمها، ما يعني أن العدة لا ترتبط بضمان زوال "شيفرة سائل الزوج"، وإلا لكانت ملغية في هذه الحالة.

نفس القاعدة تنطبق في حالة غياب او فقدان الزوج ووفاته اثناء ذلك، فعدة المرأة تبدأ عند سماعها خبر الوفاة، ولو كان قد غاب عنها لسنوات (وهنا العلة تكون مراعاة حق الزوج لا احتمال الحمل). [1]

  • ثانيا: المبرر الأساسي المتفق عليه لمدة عدة الوفاة ليس ما يذكره الإدعاء بلا دليل بل هو الإعتقاد الإسلامي أن الروح تنفخ في الأيام العشرة بعد الشهر الرابع.

قال إبن القيم في إعلام الموقعين:

وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي احْتِرَامِ حَقِّ الزَّوْجِ وَتَعْظِيمِ حَرِيمِ هَذَا الْعَقْدِ غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ مِنْ تَرَبُّصِ سَنَةٍ فِي شَرِّ ثِيَابِهَا وَحَفْشِ بَيْتِهَا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا رَحْمَةً وَحِكْمَةً وَمَصْلَحَةً وَنِعْمَةً، بَلْ هِيَ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَانَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ مَضْرُوبَةٍ لَهَا، وَأَوْلَى الْمُدَدِ بِذَلِكَ الْمُدَّةُ الَّتِي يُعْلَمُ فِيهَا بِوُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ عَلَقَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ مُضْغَةً، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ، فَقُدِّرَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، لِتَظْهَرَ حَيَاتُهُ بِالْحَرَكَةِ إنْ كَانَ ثَمَّ حَمْلٌ. [2]
  • ثالثا: النقطة القاضية تماما على هذا الإدعاء هي مسألة عدة الحامل، فالمرأة الحامل تنتهي عدتها ولو قامت بوضع الطفل بعد ثواني من وفاة الزوج تنتهي عدتها ويمكنها الزواج متى أرادت.[3]

رابعا: يخالف الإدعاء أيضا في محاولة تبريره للفرق بين عدة المطلقة والأرملة بالحزن أن العدة تبقى نفسها ولو فرحت الزوجة بوفاة الزوج (وهو أمر قد يحصل لو كانت تكرهه)[4]

الرد من الناحية العلمية:

لم يقدم المقال أي دليل على صحة ما يدعيه من تحاليل تثبت دعواه، وقد حاول أحد المسلمين المنصفين البحث عنها ولم يجدها[5]، كما لم أجدها بنفسي من خلال البحث.

فلا يبقى للرد عليه سوى إستدلاله بكون "جميع العاملات في الدعارة يصبن بسرطان الرحم" والتي بنى عليها غالب المقال، وهو إدعاء ينهدم تحت التحقيق العلمي

فليس كل العاملات في الدعارة يصبن بسرطان الرحم، لكن نسبة الإصابة به أكثر إرتفاعا عندهن، وذلك لسبب غير ما ذكره المقال وهو فيروس الورم الحليمي البشري Human Papillomavirus والذي يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الرحم[6]، وهو قد يصيب أي إمرأة سواء كانت تعمل في الدعارة ام لا عن طريق الزوج، وأي إمرأة أخدت التطعيم ضده فلن تصاب به ولو كانت تعمل في الدعارة وبالتالي لن تصاب بالسرطان المتعلق به.[7]

نقطة إضافية: هناك نسخة من الإدعاء[8] تدعي إسلام عالم يهودي يدعى روبرت غيلهم بعد بحث طويل توصل فيه إلى هذا الإعجاز المزعوم، والرد عليها قد تم عدة مرات من مصادر إسلامية[9] [10] وأجنبية[11] [12]، فلا وجود لهذا شخصية فهي شخصية خيالية، لم أجد أي أثر لها في محرك البحث غوغل او في غوغل سكولار، ولا أي صورة مرتبطة بها من غير مقاطع تنسب له بشكل خاطئ[13] والتي هي في الحقيقة للمهندس أرثر جي أليسون[14].

قائمة المراجع

[1] ما صِحة موضوع الإعجاز في اختلاف عدة الأرملة والمطلقة ؟ - مشكاة هنا

[2] الحكمة من جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا - إسلام ويب هنا

[3] تنتهي عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل - إسلام ويب هنا

[4] ما صحة موضوع الإعجاز في اختلاف عدة الأرملة والمطلقة؟ - مصدر سابق

[5] حقيقة المعجزة التي في جسد المرأة فترة العدة - عالم الأكاذيب هنا

[6] Prevalence of human papillomavirus infection among female sex workers in Bulgaria - PubMed here

[7] Human Papillomavirus (HPV) Vaccine - National Cancer Institute here

[8] عالم يهودي يعتنق الإسلام بعد بحثه في علم الجينات والعلاقات الاجتماعية - RT Arabic هنا

[9] أكذوبة اعتناق عالم الأجنة اليهودي روبرت غيلهم للإسلام - جهينة هنا

[10] حقيقة المعجزة التي في جسد المرأة فترة العدة - مصدر سابق

[11] Does putative Islam convert, Robert Guilham, exist? - Skeptics Stack Exhange here

[12] Hoax: Robert Guilhem (Pemimpin Yahudi) Masuk Islam - Grevada here

[13] JEWISH GENETICIST CONVERTED TO ISLAM AFTER AN ASTONISHING DISCOVERY IN THE QUR'AN - YouTube here

[14] عبد الله إليسون - ويكيبيديا هنا


مستر مدقق

مستر مدقق

لاديني مهتم بالتحقيق وراء مختلف الإدعاءات