الرد على إعجاز «فهي سوداء مظلمة» وقانون بلانك
يفحص المقال دعوى الإعجاز العلمي في حديث ألوان نار جهنم من حيث صحة الروايات، وترتيب الألوان، ومدى توافقها مع فيزياء الإشعاع الحراري وقانون بلانك، مع تتبع جذور صورة «النار السوداء» في التراث اليهودي.
يقول نبي الإسلام:
(أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة) [رواه الترمذي].
يتداول أنصار "الإعجاز العلمي" هذا الحديث النبوي، الذي ورد فيه أن النار أوقدت ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقدت ألف سنة أخرى حتى ابيضت، ثم أوقدت ألف سنة ثالثة حتى اسودّت فصارت مظلمة. ويرى أصحاب هذه الدعوى أن هذا التدرج اللوني من الأحمر إلى الأبيض ثم إلى السواد يطابق ما تصفه الفيزياء الحديثة في "قانون بلانك لإشعاع الجسم الأسود"، القاضي بأن لون الضوء الصادر عن أي جسم مرتبط حصراً بدرجة حرارته، وأن الأجسام شديدة السخونة جداً يتحول معظم إشعاعها إلى نطاقات غير مرئية (فوق بنفسجية أو سينية)، فتبدو للعين مظلمة رغم بلوغها أقصى درجات الحرارة. ويُستدل بأن هذا القانون لم يُكتشف إلا سنة 1900 على يد ماكس بلانك، بعد تراكم معرفي وتجريبي طويل، وأن استحالة وصول رجل أمّي عاش في القرن السابع الميلادي إلى هذه الحقيقة بمحض الصدفة أو الحدس تُعدّ دليلاً على أن هذا الكلام وحي من عند الله.
فصل في صحة طرق الحديث
قبل الخوض في الجانب العلمي، لا بد من الوقوف عند صحة الحديث نفسه واتفاق ألفاظه، إذ ورد من عدة طرق عن أبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، ومن كلام عبد الله بن مسعود وكعب الأحبار. وأغلب هذه الطرق موقوفة لا مرفوعة، كما أن ألفاظ الحديث تختلف في أغلب هذه الطرق اختلافًا يمسّ صلب دعوى الإعجاز؛ إذ يرد في أغلبها الترتيب: الأبيض ثم الأحمر ثم الأسود، لا الأحمر ثم الأبيض ثم الأسود الذي تقوم عليه دعوى الإعجاز، مما يجعل الاستدلال بهذا الترتيب خطأً علميًا، وهو ما سنفصّله لاحقًا. وجميع هذه الطرق كما سنبين بالتفصيل ضعيفة، وبعضها ساقط بالكلية.
أولاً: رواية أبي هريرة
أخرج الترمذي في جامعه (2591) الحديث من طريق يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي، بلفظ:
حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ - هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ».[1]
وهذا الطريق هي التي يعتمد عليها أصحاب دعوى الإعجاز العلمي، لأنها تسير وفق الترتيب الآتي:
أحمر ← أبيض ← أسود
غير أن المفارقة أن هذا الترتيب ليس مستقراً حتى في طريق يحيى بن أبي بكير نفسه؛ فقد رُوي عنه الحديث بترتيب مختلف تمامًا.
فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (34165)، من طريق يحيى بن أبي بكير نفسه، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، لكنه رواه موقوفًا على أبي هريرة وبترتيب:
«أُوقِدَتِ النَّارُ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَاحْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَاسْوَدَّتْ، فَهِيَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ».[2]
أي:
أبيض ← أحمر ← أسود
وكذلك أخرج ابن ماجه في سننه (4320) الحديث من طريق يحيى بن أبي بكير نفسه، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا إلى النبي، لكن بترتيب الألوان المخالف لرواية الترمذي:
«أُوقِدَتْ النَّارُ أَلْفَ سَنَةٍ فَابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَاحْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَاسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ».[3]
أي أيضًا:
أبيض ← أحمر ← أسود
ولا يقتصر الاختلاف على ترتيب الألوان، بل يمتد كذلك إلى رفع الحديث ووقفه. فقد روى الترمذي الحديث نفسه من طريق عبد الله بن المبارك عن شريك، لكنه لم يرفعه إلى النبي، بل جعله من كلام أبي هريرة، وقال الترمذي عقب الرواية:
حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَوْ رَجُلٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا مَوْقُوفٌ أَصَحُّ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ شَرِيكٍ.[1]
وقد جاء لفظ عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد مبيّنًا ترتيب الألوان، وهو:
«إِنَّ النَّارَ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَاحْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَتْ أَلْفَ سَنَةٍ فَاسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ».[12]
أي:
أبيض ← أحمر ← أسود
وبذلك يصبح لدينا في طرق هذه الرواية الترتيب الآتي:
الترمذي عن يحيى بن أبي بكير / مرفوع / أحمر ← أبيض ← أسود
ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكير / موقوف / أبيض ← أحمر ← أسود
ابن ماجه عن يحيى بن أبي بكير / مرفوع / أبيض ← أحمر ← أسود
عبد الله بن المبارك عن شريك / موقوف / أبيض ← أحمر ← أسود
ثم جاء ترجيح الترمذي صريحًا بأن الموقوف أصح من المرفوع، وأنه لا يعلم أحدًا رفع الحديث عن شريك سوى يحيى بن أبي بكير. كما رجّح الدارقطني، بعد عرض طرق الحديث في العلل، أن الصواب فيه الوقف، فقال:
«... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ».[4]
ويتبين من مجموع هذه الروايات أن الاختلاف في هذا الطريق لا يقتصر على رفع الحديث ووقفه، بل يشمل كذلك ترتيب الألوان نفسه؛ فرواية الترمذي جاءت بالترتيب:
أحمر ← أبيض ← أسود
بينما جاءت رواية ابن ماجه، ورواية ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكير نفسه، ورواية عبد الله بن المبارك عن شريك، جميعها بالترتيب:
أبيض ← أحمر ← أسود
ومن ثم فإن الرواية الوحيدة التي توافق الترتيب الذي يستند إليه أصحاب دعوى الإعجاز، وهي (أحمر ← أبيض ← أسود)، تخالف بقية الروايات الواردة في هذا الطريق في ترتيب الألوان، فضلاً عن أن الترمذي والدارقطني رجّحا وقف الحديث على أبي هريرة.
أما من حيث صحة الإسناد، فإن جميع هذه الروايات تدور على شريك بن عبد الله النخعي، وهو ضعيف، ولذلك لا يختص التضعيف بالرواية المرفوعة أو برواية دون أخرى، بل يشمل أصل هذا الطريق بمختلف صوره. ولهذا علّق شعيب الأرنؤوط على الرواية بقوله:
«إسناده ضعيف لضعف شريك -وهو ابن عبد الله النخعي-، وقد اختلف عليه في رفعه ووقفه».[3]
فحاصل هذا الطريق إذن أنه موقوف و ضعيف من جهة الإسناد، ومضطرب من جهة ترتيب الألوان؛ فلا يصح الاحتجاج به لإثبات دعوى علمية، فضلاً عن تخصيص إحدى صوره المتعارضة بالاعتماد لمجرد أنها توافق النتيجة المراد الوصول إليها.
ثانياً: رواية عمر بن الخطاب
رواية طويلة تصف حواراً بين جبريل والنبي عن أوصاف جهنم،أخرجها ابن أبي الدنيا في "صفة النار" (157) وفيها:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مَرْوَانَ الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:
"...أمر الله بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى احمرّت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة"[5]
وأخرجها الطبراني في المعجم الأوسط (2583) بترتيب أبيض ← أحمر ← أسود :
أَمَرَ بِجَهَنَّمَ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَا يُضِيءُ شَرَرُهَا، وَلَا يُطْفَأُ لَهَبُهَا..[13]
والاثنان من طريق سلّام بن سلم وهو متروك الحديث قال أبو حاتم: ضعيف الحديث تركوه وقال النسائي : متروك [6]
رواه عن الأجلح بن عبد الله وهو مختلف فيه قال النسائي: ضعيف ليس بذاك وقال أبو إسحاق الجوزجاني: مفتر وقال أحمد بن حنبل: وقد روى الأجلح غير حديث منكر .[7]
فالطريق ساقط بهذه العلل مجتمعة.
ثالثاً: رواية أنس بن مالك
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (778) و"البعث" (506): أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثنا الْكُدَيْمِيُّ، ثنا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، ثنا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسٍ
"أوقد عليها ألف سنة حتى احمرّت، وألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، لا يطفأ لهبها"
وفي سنده محمد بن يونس الكديمي، وهو متهم بوضع الحديث، أي اتهام بالكذب المتعمد لا مجرد الضعف. فقد قال ابن عدي : اتهم الكديمي بوضع الحديث وقال أيضا وادعى رؤية قوم لم يرهم ، ترك عامة مشايخنا الرواية عنه وقال ابن حبان : لعله قد وضع أكثر من ألف حديث.[8]
فالطريق ساقط بالكلية ولا يصلح للاستشهاد فضلاً عن الاحتجاج.
رابعاً: أثر عبد الله بن مسعود (موقوف)
أخرجه ابن أبي الدنيا في "صفة النار" (24) تفسيراً لـ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾، من طريق الحكم بن ظهير الفزاري عن عاصم عن زر عن ابن مسعود.
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] قَالَ: «سُعِّرَتْ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ»
فضلاً على أن هذا الحديث موقوف عن ابن مسعود ويورد ترتيب ألوان عكس الذي يفترضه الإعجاز (أبيض ← أحمر ← أسود) فإن هذا الطريق أيضا ضعيف لضعف الحكم بن ظهير الفزاري فقد قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث لا يكتب حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث تركوه. وقال أبو زرعة : واهي الحديث متروك الحديث.[9]
خامساً: أثر كعب الأحبار (مقطوع)
٥٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَنْبَأَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ⦗٢٨٧⦘ غَالِبٍ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: زَعَمَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ:
"سُجرت النار ألف سنة حتى ابيضّت، ثم سُجرت ألف سنة حتى احمرّت، ثم سُجرت ألف سنة حتى اسودّت"
أخرجه البيهقي في "البعث" (504)، وفي سنده سليمان التيمي يرويه عن علقمة بصيغة "زَعَمَ"، وهي صيغة تُشعر بالتدليس كما وصفه بذلك النسائي.وأيضا فيه عبيد بن عبيدة التمار الذي عرف انه يروي الغرائب.
إعجاز علمي أم خطأ علمي؟
الملاحظ أن الروايات والآثار الواردة في هذه المسألة، بعد استبعاد تكرار السند الواحد عند تعدد المخرّجين، ترجع إلى ستة أسانيد كلها ضعيفة، وقد جاءت ألفاظها في تسع نسخ نصية: ست منها بترتيب «أبيض ← أحمر ← أسود»، وثلاث بترتيب «أحمر ← أبيض ← أسود»، وإحدى هذه الثلاث الأخيرة من طريق أنس، وهو طريق ساقط لوجود راوٍ متهم بالوضع والكذب.
فالسؤال الآن: حتى لو تنازلنا وقبلنا منهجية الإعجازيين الفاسدة في الاحتجاج بأحاديث ضعيفة، فأي لفظ نعتمد؟ لفظ «أبيض ← أحمر ← أسود» الذي ورد في أغلب الطرق أم لفظ «أحمر ← أبيض ← أسود» الذي ورد في ثلاث طرق اثنان منها اشترك فيها مع اللفظ الأول أي نفس السند مع اختلاف اللفظ.
لا يوجد أي معيار حديثي يبرر تفضيل الثانية على الأولى، سوى أنها هي التي "تصلح" للدعوى العلمية المراد إثباتها.
الرد من ناحية علمية
ترتيب الألوان
قبل أن نشرع في فحص ادعاءات الإعجاز العلمي، تجدر الإشارة إلى أن لفظ الحديث الذي يرتّب الألوان على النحو الآتي: (أبيض ← أحمر ← أسود) لا ينسجم علميًا مع تدرّج لون توهّج الجسم بحسب درجة حرارته، إذا فُهم الحديث على هذا النحو. فاللون الأبيض يأتي بعد الأحمر والبرتقالي والأصفر مع ارتفاع درجة الحرارة. فبحسب أسيم كومار روي تشودري في كتابه المتخصص: في مبادئ اللون ومظهر الأجسام وقياسه، Principles of Colour and Appearance Measurement:
all solid or liquid substances start to glow around 798 K (525 °C), with a very dull red colour ... As the temperature increases, initially the material emits infrared radiation followed by visible light, and the colour of the emitted light changes from red to orange, yellow, white and blue-white.[10]
أي إن المادة، مع ارتفاع حرارتها، تبدأ أولًا بإصدار إشعاعٍ حراري غير مرئي في نطاق الأشعة تحت الحمراء، ثم يظهر التوهج المرئي بلونٍ أحمر خافت جدًا، قبل أن يتغير لون الضوء المنبعث تدريجيًا من الأحمر إلى البرتقالي، ثم الأصفر، فالأبيض، وأخيرًا الأبيض المزرق.
فالحديث بهذا يكون خطأً علميا و ليس إعجازا.

لكن حتى لو تجاوزنا تنزلاً إشكالية صحة الحديث التي فصّلناها آنفاً، وإشكالية اختلاف الألفاظ، وسلّمنا بلفظ (أحمر ← أبيض ← أسود)، فقد يعترض معترض: كيف لتدرج كهذا أن يُذكر أصلاً في زمن قديم، ولو عبر إسناد ضعيف؟ فالراوي الضعيف مهما كان حاله لم يكن يملك مختبراً يُجري فيه تجارب الإشعاع الحراري ليخترع هذا الترتيب من عنده. ولعل أقرب تفسير لذلك أن أصل الخبر نبوي فعلاً، وإن ضعفت الطرق التي وصلنا بها. والجواب على هذا الاعتراض سيتضح تباعاً في العناوين التالية، حيث سنبيّن أن هذا الوصف بخلاف ما يُصوَّر من الأمور التي يمكن لأي إنسان أن يتوصل إليها بالملاحظة المجردة عبر القرون، دون حاجة إلى قانون بلانك ولا إلى مختبرات الفيزياء الحديثة.
أولاً: الأحمر ليس نهاية المطاف بل بدايته
من الملاحَظ أصلًا أن الأجسام الصلبة، كالمعادن عند تسخينها، تبدأ بالاحمرار قبل انتقال توهجها إلى ألوان أخرى؛ ومن ثم فإن كون الأحمر يمثل أول مراحل التوهج المرئي ليس أمرًا خفيًا أو غير قابل للملاحظة بل هو معرفة بديهية تقريبًا لكل من رأى قطعةً من المعدن تُوضع في النار؛ فما هي إلا لحظات حتى تبدأ بالاحمرار والتوهّج مع ارتفاع حرارتها.
لكن النص هنا يصوّر اللون الأحمر وكأنه إنجاز يستغرق ألف عام من التسخين المتواصل، بينما الحقيقة الفيزيائية معكوسة تماماً: الأحمر الخافت هو أول درجة يمكن أن تُرى بها المادة الصلبة أو السائلة المتوهجة كما سبق و أشرنا.[10]
وأيضًا حسب نفس المصدر السابق[10] فإن المادة، مع ارتفاع حرارتها، تبدأ بانبعاث الأشعة تحت الحمراء، ثم تدخل نطاق الضوء المرئي عند نحو 798 كلفن، ويكون أول لون مرئي لها هو الأحمر الخافت....
من ثم فالأحمر هنا يمثل عتبة الدخول إلى الضوء المرئي، و ليس مرحلة متقدمة في سلّم التسخين؛ لذلك فإن جعل الوصول إليه أول محطة ضمن تَدَرُّج يمتد ألف سنة ثم الانتقال بعد ذلك إلى الأبيض فالأسود. لا يطابق هذا التدرج الفيزيائي البسيط للأجسام المتوهجة.
ثانياً: الأبيض معرفة متاحة لكل حداد
أما التوهج الأبيض عند درجات الحرارة المرتفعة فظاهرة عرفها الحدّادون وصانعو المعادن منذ آلاف السنين قبل الإسلام، دون حاجة إلى أي نظرية فيزيائية: يكفي تسخين المعدن ومراقبة توهجه يتدرج من الأحمر إلى البرتقالي فالأصفر ثم الأبيض المصفرّ كلما ازدادت حرارته.
ولم يكن دور قانون بلانك اكتشاف أن الأجسام الساخنة تتوهج بألوان مختلفة فهذه حقيقة مشاهَدة بالعين المجردة منذ القدم، بل تقديم وصف رياضي دقيق لكيفية توزّع هذا الإشعاع عبر الطيف باختلاف درجة الحرارة، وتفسير لماذا يحدث هذا التغيّر بالتحديد بهذه الطريقة.
وهذا فرق محوريّ يتجاهله الإعجازيون: معرفة الظاهرة بالملاحظة المباشرة شيء، وفهم آليتها ووصفها رياضيًا وفق الفيزياء الحديثة شيء آخر تمامًا.
ثالثاً: الأسود - سوء فهم لقانونَي فين وبلانك
قبل أن نشرع في الرد وجب طرح سؤال مهم يؤثر على صلب دعوى الإعجاز : ما الذي يوصف بهذه الألوان؟ هل هو لون النار ذاتها كمصدر ضوء، أم لون الجسم الذي تُوقد عليه النار وتُحمّى به (كالحديد المُسخَّن مثلاً)؟ فالفرق أن الأول وصف لضوء منبعث، والثاني وصف لجسم صلب متوهج.
الجواب على هذا السؤال يأتينا في حديث صحيح، رواه مالك في "الموطأ" (3648) عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (3670)، وفيه أن نبي الإسلام قال عن نار جهنم:
"أتَرَوْنَها حمراءَ كنارِكُم هذه؟! لَهيَ أشدُّ سَوادًا من القار" [11].
والقار هو الزفت. فهذا النص يصف النار نفسها وليس جسما ساخنا، ويجعل سوادها سواداً حقيقياً مقارنة بمادة سوداء معروفة، وليس "غياباً للضوء" كما يتصور الإعجازيون. وهذا مستحيل فيزيائياً: والزفت أسود لأنه يمتص الضوء. أما النار فلا يمكن أن تكون سوداء في ذاتها؛ لأن السواد يعني غياب الضوء المرئي الواصل إلى العين، بينما النار بذاتها ظاهرة مضيئة باعثة للضوء، فلا يجتمع كونها مصدرًا للضوء وكونها سوداء في الوقت نفسه.. فبهذا يكون الإعجاز ساقطاً لوصفه النار نفسها بالسواد لا الجسم الساخن.
لكن مع ذالك ستنجاوز هذه الإشكالية ونسلّم جدلاً أن المقصود جسم ساخن لا نار سوداء.
و هذا للرد على دعوى الإعجازيين أن الجسم إذا وصلت درجة حرارته لمستويات عالية تنتقل ذروة إشعاعه لنطاقات غير مرئية كالأشعة فوق البنفسجية و الأشعة السينية . و بذلك يختفي اشعاعه في النطاقات المرئية. ولكن قبل تبيان خطأ الفهم الإعجازي لقانونَي بلانك وفيين،فإن أقصى ما يترتب على هذا الفهم الخاطئ أصلا: جسمٌ لا يُشعّ في النطاق المرئي، لا جسمٌ أسود بالمعنى الذي يصفه الحديث. فرواية ابن ماجه تقول: "فهي سوداء كالليل المظلم"[3]، ورواية ابن أبي شيبة في "المصنف" تقول: "فاسودّت فهي كالليل المظلم"[2]، وحديث القار يصفها بأنها "أشد سواداً من القار" أي الزفت. وهذه أوصاف سواد حقيقي كسواد الزفت أو عتمة الليل لا مجرد توقف عن الإشعاع في نطاق معين. والفرق: توقف جسم عن إصدار ضوء مرئي لا يجعله أسود، بل غير مُشعّ بالنسبة لأعيننا وحسب, مثلما كان في حالة الأشعة تحت الحمراء؛ أما اللون الأسود الحقيقي، كالقار، فيعتمد على مقدار الضوء المرئي الذي يصل إلى العين بعد تفاعله مع الجسم، ولا يُعرَّف بمجرد غياب إشعاعه الحراري الذاتي.
جسم لا يُشعّ مرئياً ليس بالضرورة أسود اللون؛ فقد يبدو عاكساً أو شفافاً أو بأي لون آخر بحسب خواص سطحه، لا وفق حرارته وحدها.
لكن الأهم أنه حتى لو سلّمنا جدلًا بأن المقصود بالإسوداد هو تعتم الجسم في النطاق المرئي، فإن تفسير اللون الأسود بأنه المرحلة التي يصل إليها الجسم بعد أن ترتفع حرارته جدًا، فتنتقل ذروة إشعاعه إلى الأشعة فوق البنفسجية أو السينية، وبالتالي يتوقف عن إصدار الضوء المرئي، غير صحيح فيزيائيًا. فالخطأ هنا هو الخلط بين موضع ذروة الإشعاع وبين شدة الإشعاع عند كل طول موجي.
وفق قانون فين:
فكلما ارتفعت درجة الحرارة، انخفض الطول الموجي الذي تقع عنده ذروة الإشعاع.
لكن هذا يخبرنا فقط بمكان القمة، ولا يخبرنا بأن الإشعاع عند الأطوال الموجية الأخرى، ومنها الضوء المرئي، يختفي.
وهنا يأتي قانون بلانك ليكمل الصورة؛ فإذا كان قانون فين يخبرنا بمكان ذروة الإشعاع، فإن قانون بلانك يخبرنا بشدة الإشعاع عند كل طول موجي، مبيناً أنه عند أي درجة حرارة فوق الصفر المطلق، يستمر الجسم نظرياً في إصدار الإشعاع عبر جميع الأطوال الموجية. والنتيجة الأهم هنا هي أنه عند تثبيت طول موجي معين، فإن رفع درجة الحرارة يؤدي بالضرورة إلى زيادة كثافة الإشعاع عنده. وهذا ما يذكره Grant W. Petty، المتخصص في الإشعاع الجوي والفيزياء الإشعاعية، في كتابه A First Course in Atmospheric Radiation، وذلك تحديدًا ضمن الفقرة التي يشرح فيها دالة بلانك (Planck’s function):
“At any given wavelength, emission increases monotonically with increasing temperature.”«عند أي طول موجي معيّن، يزداد الانبعاث بصورة رتيبة مع ازدياد درجة الحرارة.» [22]
ويؤكد ذالك كلير ل. وايت (Clair L. Wyatt) في كتابه Radiometric Calibration: Theory and Methods، في سياق مناقشة معادلة بلانك (Planck’s Equation)، أن:
“The spectral radiance increases at all wavelengths for increased temperatures.”«تزداد الإشعاعية الطيفية عند جميع الأطوال الموجية مع ارتفاع درجات الحرارة.» [23]
لذلك، لا يتوقف الجسم الساخن عن إصدار الضوء المرئي لمجرد أن ذروة إشعاعه انتقلت إلى أطوال موجية أقصر؛ بل إن كمية الإشعاع عند الأطوال الموجية المرئية تستمر في التزايد مع ارتفاع درجة الحرارة، حتى وإن أصبحت الذروة نفسها في نطاق الأشعة فوق البنفسجية. ومن ثم، عندما ترتفع درجة حرارة الجسم، تحدث عمليتان في الوقت نفسه: تنتقل ذروة الإشعاع نحو الأطوال الموجية الأقصر وفق قانون فين، وتزداد شدة الإشعاع عند كل طول موجي وفق قانون بلانك.
وإذا سألنا عن اللون النظري للجسم عند حرارة لا نهائية ∞→T، فإن الموضع البلانكي (Planckian locus) على مخطط الألوان يجيب عن ذلك مباشرة. فالمسار المحسوب لدرجات الحرارة من 1500 كلفن حتى اللانهاية ينتهي في نطاق الأبيض المزرق، وليس في الأسود. وبالتالي، حتى عند الحد الرياضي الأقصى لدرجة الحرارة، لا يتحول اللون المحسوب إلى الأسود أو ينعدم.
ولتوضيح حجم هذه النقطة من ناحية المشاهدة الفلكية المباشرة، يمكن النظر إلى النجوم من الصنف الطيفي O، وهي من أشد النجوم حرارة، إذ تتراوح درجات حرارة أسطحها تقريبًا بين 25,000 و50,000 كلفن. فإذا اعتبرنا حدود الضوء المرئي تقريبًا بين 400 و700 نانومتر، فإن ذروة إشعاع الجسم الأسود تغادر النطاق المرئي أصلًا عندما تتجاوز درجة الحرارة نحو 7,200 كلفن؛ فعندها تنتقل الذروة إلى ما دون 400 نانومتر، أي إلى الأشعة فوق البنفسجية. أما عند حرارة 25,000 كلفن، فتكون ذروة الإشعاع عند نحو 116 نانومتر، وعند 50,000 كلفن عند نحو 58 نانومتر، أي بعيدًا جدًا داخل نطاق الأشعة فوق البنفسجية.
ومع ذلك، فإن هذه النجوم لا تصبح معتمة أو تخفت في الضوء المرئي، بل تصفها بريتانيكا بأنها:
"the hottest and most luminous stars" ("أشد النجوم حرارة وأكثرها توهجاً")[14]
وهذه الملاحظة مهمة جدًا؛ لأن النجوم O أكثر حرارة بكثير من درجة الحرارة التي تنتقل عندها ذروة الإشعاع أصلًا خارج النطاق المرئي. فلو كان مجرد انتقال الذروة إلى الأشعة فوق البنفسجية يعني أن الإشعاع المرئي يبدأ بالانخفاض أو الاختفاء، لكان من المتوقع أن تصبح النجوم الأشد حرارة أقل إشعاعًا في الضوء المرئي من النجوم الأبرد منها، بمجرد تجاوز تلك الدرجة. لكن قانون بلانك والواقع الرصدي لا يعطيان هذه النتيجة؛ فشدة الإشعاع عند طول موجي مرئي معين تستمر في الازدياد مع ارتفاع درجة الحرارة، حتى بعد انتقال الذروة بعيدًا عن النطاق المرئي.
ويمكن رؤية هذه النتيجة بصورة أكثر تطرفًا عند الانتقال إلى نجوم أشد حرارة بكثير من نجوم O، مثل نجوم Wolf–Rayet، ومن بينها WR 102، الذي تُقدَّر درجة حرارته النجمية بنحو 210,000 كلفن.
إذن، انتقال الذروة إلى نطاق غير مرئي لا يعني أن الضوء المرئي ينطفئ. إنه يعني فقط أن هناك جزءًا آخر من الطيف أصبح هو الجزء الذي تبلغ فيه شدة الإشعاع أقصاها، بينما يستمر الإشعاع المرئي في الازدياد.
مصطلح "الأجسام الساخنة المظلمة": استعارة موضوعة في غير موضعها
يشير أنصار الإعجاز إلى عبارة متداولة في الفيزياء، وهي Blackbody radiation (إشعاع الجسم الأسود)، ويصورونها على أنها وصف لحالة يصبح فيها الجسم شديد السخونة ثم «أسودَ ومظلمًا». لكن هذا فهم خاطئ للمصطلح؛ فـالجسم الأسود في الفيزياء نموذج مثالي افتراضي لجسم يمتص الإشعاع الساقط عليه ويصدر إشعاعًا حراريًا وفق درجة حرارته، وليس اسمًا لجسم أسود اللون أو لمرحلة حرارية معينة. وتوضح وكالة ناسا صراحة:
“a blackbody, being a perfect absorber and radiator, is not necessarily black!”(الجسم الأسود، بوصفه ممتصًا ومُشعًّا مثاليًا، ليس بالضرورة أسود اللون!) [15]
كما تصفه بأنه:
“an idealized, hypothetical object”(جسم افتراضي مثالي)[15]
وتؤكد أن الجسم الأسود عند درجات الحرارة العالية قد يكون شديد السطوع، لا مظلمًا.
“a blackbody with a temperature of thousands of degrees would be very bright “indeed(الجسم الأسود الذي تبلغ درجة حرارته آلاف الدرجات سيكون ساطعًا جدًا بالفعل.)[15]
لذلك فإن إطلاق Blackbody radiation على «السواد» الوارد في الحديث لا يثبت شيئًا؛ فالمصطلح يشير إلى نموذج فيزيائي مثالي للإشعاع الحراري، لا إلى جسم بلغ حرارة قصوى فتحول بصريًا إلى الأسود.
الفكرة في التراث اليهودي
حتى بعد إثبات أن الحديث لا يطابق علميًا قانون إشعاع الجسم الأسود كما تقدّم، وحتى لو تجاوزنا جدلًا إشكاليات السند والمتن، يبقى سؤال مهم: من أين جاءت أصلًا فكرة أن جهنم "سوداء مظلمة"؟ الجواب أن هذه الصورة ليست وليدة إخبار نبوي عن حقيقة فيزيائية دقيقة، بل هي صورة دينية متداولة سبقت الإسلام ووردت بألفاظ قريبة جدًا في مصادر يهودية متعددة، وهو ما يعزز ما أشرنا إليه آنفًا من أن أحد رواة الحديث، كعب الأحبار، كان يهوديًا أسلم واشتُهر بنقل الإسرائيليات. من أبرز هذه المصادر:
مدراش شيموت ربّاه Shemot Rabbah 14:2
"From the darkness of Gehenna" "من ظلام جهنّم" [16]
مدراش برشيت ربّاه Bereshit Rabbah 33:1 (نحو القرن الخامس الميلادي، أي قبل الإسلام)
"Gehenna is darkness" "إنّ جهنّم هي الظلام" [20]
مدراش ويقرا ربّاه 27:1 Vayikra Rabbah (نحو القرن الخامس الميلادي)
"he fire of Gehenna consumes it, as it is stated: “All darkness is laid up for his treasures" "جهنّم هي الظلام كما وَرَد «كل الظلمة مدَّخرة لذخائره"[21]
التلمود البابلي، سنهدرين Talmud Sanhedrin 92a (دُوّن نحو القرن السادس الميلادي، أي قبل الإسلام)
"any house in which there are no matters of Torah heard at night, the fire of Gehenna consumes it, as it is stated: “All darkness is laid up for his treasures" "إن أي بيت لا تُسمع فيه كلمات التوراة ليلًا، تلتهمه نار جهنم، كما جاء في النص:«كل ظلمة مخبأة لذخائره" [19]
مدراش تنحوما، نوח Midrash Tanchuma, Noach 1:2
"darkness is imposed upon those condemned to Gehenna" "الظلام مفروضٌ على المحكوم عليهم بجهنّم" [18]
الزوهار، برشيت Zohar, Bereshit 4:23 (نص قبّالي متأخر، أواخر القرن الثالث عشر الميلادي — أي بعد الإسلام بقرون، ويُذكر هنا لبيان استمرار الصورة داخل التراث اليهودي لا كدليل على سبقها التاريخي)
“Darkness” is a blackfire, strong in colour. There is a red fire, strong in visibility; a yellow fire, strong in shape; and a white fire, the colour which includes all....“ "«الظلام» هو نار سوداء شديدة اللون. وهناك نار حمراء شديدة الظهور، ونار صفراء شديدة الهيئة، ونار بيضاء، وهي اللون الذي يشتمل على الجميع..." [17]
والملاحَظ أن أغلب هذه النصوص وبخاصة التلمود ومدراش برشيت ربّاه وويقرا ربّاه، وهي نصوص يعود تدوينها إلى ما قبل ظهور الإسلام بقرون تربط مباشرة بين جهنم والظلام والسواد، بل إن نص الزوهار يذهب أبعد من ذلك فعلى الرغم من تأخره الزمني، يبقى أقرب هذه النصوص لفظًا إلى وصف الحديث، إذ يصف الظلام صراحة بأنه "نار سوداء"، ثم يُدرجه ضمن تدرّج ألوان للنار يشمل أيضًا الأحمر والأصفر والأبيض وهو تدرّج يكاد يطابق في مفرداته الألوان الثلاثة التي يصف بها الحديث جهنم (الأحمر والأبيض والأسود)، وإن اختلف الترتيب والسياق بينهما.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن فكرة "الظلمة الخارجية" التي يُطرح فيها الأشرار تتكرر في العهد الجديد نفسه (متى 8: 12 و22: 13)، مما يدل على أن هذه الصورة كانت شائعة في البيئة الدينية اليهودية المحيطة قبل ظهور الإسلام بزمن طويل، لا أنها إخبار غيبي عن حقيقة فيزيائية اكتُشفت حديثًا.
الخلاصة
يتبين مما سبق أن دعوى الإعجاز العلمي في حديث "أوقد على النار..." تنهار من ثلاث جهات مستقلة:
من جهة الثبوت، فإن طرق الحديث كلها ضعيفة، ومتعارضة فيما بينها في ترتيب الألوان نفسه؛ فالغالب من هذه الطرق يورد الترتيب (أبيض ← أحمر ← أسود)، ولا تنفرد بالترتيب الذي يعتمده الإعجازيون (أحمر ← أبيض ← أسود) إلا رواية واحدة معزولة، وسط اختلاف العلماء أصلاً في رفع الحديث ووقفه.
ومن جهة المتن، فإن الترتيب المُدَّعى مطابقته للعلم غير مطابق أصلاً؛ إذ الأحمر ليس نهاية توهج الأجسام بل بدايته، وتدرج اللون الحراري لا ينتهي إلى الأسود بل إلى الأبيض المزرق كلما ارتفعت الحرارة. وحتى محاولة تأويل "السواد" بخروج الإشعاع من النطاق المرئي إلى ما فوق البنفسجي تصطدم بحقيقة فيزيائية: قانون بلانك لا يعني توقف الإشعاع المرئي بل استمراره وازدياد شدته، والنجوم الأشد حرارة (كنجوم الصنف O) توصف بأنها الأشد سطوعًا لا الأشد عتمة.
ومن جهة الأصل التاريخي: صورة "اللهب الأسود المظلم" موجودة أصلًا في التراث الديني السابق للإسلام، من سفر أخنوخ اليهودي إلى نصوص التلمود ومدراش برشيت ربّاه وويقرا ربّاه التي تصف جهنم صراحة بالظلام والسواد قبل الإسلام بقرون، عبر طريق يعود في الحديث نفسه إلى كعب الأحبار.
وخلاصة القول: لا الإسناد يثبت، ولا المتن على فرض ثبوته يطابق العلم الحديث كما يُزعم، وما يبدو تشابهًا سطحيًا بين لفظ الحديث والفيزياء الحرارية ناتج عن خلط بين مصطلح "الجسم الأسود" العلمي وبين السواد الحقيقي كلون.
قائمة المراجع
[1] سنن الترمذي - ت بشار – الترمذي (٤ / ٣٤١) / هنا
[2] المصنف - ابن أبي شيبة - ت الحوت – أبو بكر بن أبي شيبة (٧ / ٥٤) / هنا
[3] سنن ابن ماجه - ت الأرنؤوط – ابن ماجه (٥ / ٣٧٢) / هنا
[4] علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية – الدارقطني (١٠ / ١٥١) / هنا
[5] صفة النار لابن أبي الدنيا – ابن أبي الدنيا (١٠٣) / هنا
[6] تهذيب الكمال في أسماء الرجال – المزي، جمال الدين (١٢ / ٢٧٨) / هنا
[7] تهذيب الكمال في أسماء الرجال – المزي، جمال الدين (٢ / ٢٧٧) / هنا
[8] سير أعلام النبلاء - ط الرسالة – شمس الدين الذهبي (١٣ / ٣٠٤) / هنا
[9] تهذيب الكمال في أسماء الرجال – المزي، جمال الدين (٧ / ١٠١) / هنا
[10] Choudhury, Asim Kumar Roy. Principles of Colour and Appearance Measurement: Volume 1: Object Appearance, Colour Perception and Instrumental Measurement. 1st ed. Woodhead Publishing, 2014, p. 78 here.
[11] صحيح الترغيب والترهيب – ناصر الدين الألباني (٣ / ٤٧٣) / هنا
[12] الزهد والرقائق - ابن المبارك - ت الأعظمي – ابن المبارك (الملحق / ٨٨) / هنا
[13] المعجم الأوسط للطبراني – الطبراني (٣ / ٨٩) / هنا
[14] Encyclopaedia Britannica, "O-type star" – here
[15] NASA Goddard Space Flight Center, Gamma-Ray Bursts – When You’re Hot, You’re Hot…Unless You’re Not!, “Imagine the Universe,” section 5, updated May 7, 2015 here.
[16] Shemot Rabbah 14:2. In The Sefaria Library. here
[17] Zohar, Bereshit 4:23, in The Sefaria Library, here
[18] Midrash Tanchuma, Noach 1:2, in The Sefaria Library, here
[19] Babylonian Talmud, Sanhedrin 92a. In The Sefaria Library. here
[20] Bereshit Rabbah 33:1, in The Sefaria Library, here.
[21] Vayikra Rabbah 27:1, in The Sefaria Library, here
[22] Petty, Grant W. (2006). A First Course in Atmospheric Radiation, 2nd ed. Madison, WI: Sundog Publishing, p. 120, §6.1.1, “Planck’s Function here.”
[23] Wyatt, Clair L. (1978). Radiometric Calibration: Theory and Methods. New York: Academic Press, p. 31 here.
